شفقنا العراق ــ شاهد الزور هو من تعمَّد الكذب في شهادته، ولقد نصَّت العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، على أن التعزير والتشهير هو ما يُعاقبُ به شاهد الزور.
المسألة:
ما هي العقوبة المُقرَّرة شرعاً على شاهد الزور؟
الجواب:
إذا تعمَّد المكلَّف فأدلى بشهادة زورٍ لدى القاضي وجبَ جلدُه تعزيراً بما يراه الحاكم الشرعي، ووجب التشهير به بأنْ يُطاف به ليعرفه الناس، فلا يغترُّوا بشهادته، ويكون ذلك رادعاً له ولهم، والظاهرُ أنَّه لم يقع خلافٌ بين الفقهاء(1) في أنَّ التعزير والتشهير هو ما يُعاقبُ به شاهد الزور، وقد نصَّت على ذلك العديدُ من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):
منها: موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “شهود الزور يجلدون حدَّاً وليس له وقت، ذلك إلى الامام، ويُطاف بهم حتى يعرفوا ولا يعودوا، قال: قلت: فإن تابوا وأصلحوا أتقبل شهادتهم بعد؟ فقال: إذا تابوا تاب الله عليهم وقبلت شهادتهم بعد”(2).
أقول: معنى قوله (ع): “وليس له وقت” هو أنَّه ليس لجلده تعزيراً مقدارٌ مقرَّرٌ ومحدَّد شرعاً بل إنَّ تقدير ذلك للإمام.
ومنها: موثقة سَمَاعَةَ الأخرى قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ شُهُودِ الزُّورِ قَالَ: فَقَالَ: يُجْلَدُونَ حَدّاً لَيْسَ لَه وَقْتٌ، وذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ ويُطَافُ بِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَهُمُ النَّاسُ، وأَمَّا قَوْلُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً .. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا﴾ قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُه قَالَ: يُكْذِبُ نَفْسَه عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ حَتَّى يُضْرَبَ ويَسْتَغْفِرَ رَبَّه، وإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُه”(3).
ومنها: رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إنَّ شهود الزور يُجلدون حداً ليس له وقت، ذلك إلى الامام، ويُطاف بهم حتى يعرفهم الناسُ، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ/ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قلت: بمَ تُعرف توبتُه؟ قال: يكذِّب نفسَه على رؤوس الأشهاد حيث يضرب، ويستغفرُ ربَّه عزَّ وجلَّ، فإنْ هو فعَلَ ذلك فثَمَّ ظهرتْ توبتُه”(4).
ومنها: معتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): “أنَّ عليَّاً (عليه السلام) كان إذا أخذ شاهدَ زورٍ فإنْ كان غريباً بعثَ به إلى حيِّه وإنْ كان سوقيَّاً بعث به إلى سوقِه فطِيفَ به، ثم يَحبسُه أياماً ثم يُخلِّي سبيلَه”(5).
وهذه الرواية وإنْ لم تنص على الجلد لكنَّها لا تنفي وجوبه على شاهد الزور لعدم وضوح أنَّها في مقام بيان جميع ما يُعاقبُ به شاهد الزور، فلعلَّ عدم ذكر الجلد هو أنَّ الإمام أبوجعفر (ع) كان بصدد بيان كيفيَّة التشهير بشاهد الزور، ولم يكن بصدد بيان جميع ما يعاقبُ به شاهد الزور، وعليه لا تكون الرواية منافية للروايات الأخرى التي نصَّت على أنَّ شاهد الزور يُعزَّر بالجلد.
وبتعبير آخر: إنَّ مثل موثقة سماعة صريحة أو شديدة الظهور في أنَّ الجلد ممَّا يتعيَّن تعزيرُ شاهد الزور به، وأما معتبرة غياث فأقصى ما تقتضيه هو الإشعار أو الظهور البدوي في عدم تعيُّن التعزير بالجلد، وبذلك تكون مثل موثقة سماعة قرينةً على عدم إرادة ما يظهر بدواً من معتبرة غياث.
ثم إنَّ هنا أمراً يحسن التنبيه عليه وهو أنَّ شاهد الزور هو من تعمَّد الكذب في شهادته، وأمَّا من شهد على خلاف الواقع مشتبهاً فلا يعدُّ من شهود الزور، وكذلك من لم تُقبل شهادته لفسقه أو لتعارض شهادته بشهادةٍ أخرى فإنَّه لا يعدُّ من شهود الزور، وكذلك من شهد بالزنا أو شبهه ولم يكن معه مَن تتمُّ بشهادتهم البيِّنة فإنَّه لا يعدُّ من شهود الزور، نعم يتعيَّن إقامة حدِّ القذف على مثله. لكنَّه لا يعدُّ من شهود الزور لافتراض أنَّ عدم القبول بشهادته نشأ عن عدم تماميَّة البينة ولم ينشأ عن احراز تعمده للكذب.
والحمد لله ربِّ العالمين.
الشيخ محمد صنقور/مركز الهدى للدراسات الإسلامية
————————
المقالات والتقارير المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص252، رياض المسائل -السيد علي الطباطبائي- ج15 / ص432.
2- من لا يحضره الفقيه ج3 / ص59، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص33.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص241، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص276.
4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج3 / ص60، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص334.
5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج6 / ص280، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص334.

