شفقنا العراق- حصلت وحدة “بي بي سي” لتقصّي الحقائق، على صور أقمار اصطناعية ومقاطع فيديو أظهرت أن بلدات وقرى في جنوب لبنان سوّيت بالأرض جرّاء عمليات هدم إسرائيلية.
وخلص تحليل أجرته BBC Verify إلى تدمير أكثر من 1,400 مبنى منذ الثاني من مارس/آذار، استناداً إلى أدلة بصرية جرى التحقق منها.
ولا تمثّل هذه سوى لمحة عن الحجم الإجمالي للأضرار الناجمة عن الغارات الجوية وعمليات الهدم الإسرائيلية، في ظل محدودية الوصول ميدانياً، ومحدودية توافر صور الأقمار الاصطناعية. ومن المرجّح أن يكون الحجم الحقيقي للأضرار أكبر من ذلك بكثير.
وتأتي تسوية هذه المنشآت بالأرض بعد أمر أصدره وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، في 22 مارس/آذار، دعا فيه إلى “تسريع تدمير المنازل اللبنانية” قرب الحدود الإسرائيلية، استناداً إلى “نموذج غزة” وذلك في إطار الحملة ضد حزب الله.
جرائم إسرائيل جنوب لبنان
وقال خبراء في القانون الدولي لوحدة تقصّي الحقائق إن الهدم المنهجي لهذه البلدات والقرى قد يرقى إلى جريمة حرب.
وأصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أمراً أولياً يطالب المدنيين اللبنانيين المقيمين قرب الحدود بمغادرة منازلهم. وبعد أيام، جرى توسيع نطاق أمر الإخلاء ليشمل السكان جنوب نهر الليطاني، على مسافة تقارب 30 كيلومتراً من الحدود، قبل أن يُوسّع لاحقاً مرة أخرى ليشمل المقيمين جنوب نهر الزهراني، على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود.
وفي 16 آذار، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته بدأت عملية برية في لبنان.
وتشير تقديرات إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص في مختلف أنحاء لبنان، من بينهم 820 ألفاً من الجنوب، وفق أرقام صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA. وقال المكتب إن الحرب في لبنان دفعت كثيرين إلى الفرار نحو مناطق أبعد شمالاً أو عبور الحدود إلى سوريا.
وتقول وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من ألفي شخص استشهدوا منذ اندلاع الحرب، فيما أفادت السلطات الإسرائيلية بمقتل 13 جندياً ومدنيين اثنين على يد حزب الله خلال الأسابيع الستة الماضية.
وبات من الصعب التعرّف على كثير من البلدات والقرى اللبنانية الحدودية المبنية على قمم التلال. فالقرى التي كانت تتميّز بشوارعها المتعرّجة ومبانيها الحجرية المشرفة على وديان واسعة، تظهر مقاطع فيديو جرى التحقق منها كيف تحوّلت إلى مساحات رمادية تغطيها الأتربة وأنقاض الانفجارات.
“منطقة أمنية” خاضعة للسيطرة الإسرائيلية
ويقضي مخطط الوزير الإسرائيلي إسرائيل كاتس بإقامة “منطقة أمنية” خاضعة للسيطرة الإسرائيلية تمتد من الحدود حتى نهر الليطاني، وتشغل نحو 10 في المئة من مساحة الأراضي اللبنانية. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الهدف من ذلك هو “إحباط أي تهديد” باختراق حزب الله بريّاً لمناطق شمال اسرائيل.
وباستخدام لقطات مصوّرة جرى التحقق منها وتحليل صور أقمار اصطناعية متاحة، توصلت وحدة تقصّي الحقائق إلى وجود أدلة على عمليات هدم إسرائيلية منظّمة في ما لا يقل عن سبع بلدات وقرى حدودية.
وتعرّضت بلدة الطيبة، الواقعة على بعد نحو أربعة كيلومترات من الحدود، لعمليات هدم شديدة على نحوٍ خاص. ويظهر 11 مقطع فيديو جرى التحقق منها تفجير أجزاءٍ كاملة من البلدة في وقت واحد.
كذلك يظهر تحليل مقارن لصور أقمار اصطناعية التقطت في 28 فبراير/شباط و11 أبريل/نيسان أن أكثر من 400 مبنى، من بينها مسجد، جرى تسويتها بالأرض هناك.
وفي الوقت نفسه، تظهر مقاطع فيديو أخرى جرى التحقق منها، في بلدة الخيام وقرى القوزح ودير سريان ومركبا وعيتا الشعب، تفجيرات منظمة غمرت عدداً من المباني.
ووجدت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق أن أكثر من 460 مبنى هدمت في عيتا الشعب وحدها. كما يمكن، وفقاً لتوني ريفز، مؤسس شركة تحليل الاستخبارات “مايار” رصد جرافات وآليات مدرعة في صور الأقمار الاصطناعية للقرية.
وفي بلدة الناقورة الساحلية، تسبّبت انفجارات ناجمة عن عمليات هدم إسرائيلية أيضاً في إلحاق أضرار بمقرّ بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان.
“حجم الدمار” في الناقورة مفجع
وقالت كانديس أرديل، المتحدثة باسم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”، والمتمركزة في المقرّ، إنها شاهدت منذ مطلع أبريل/نيسان عمليات هدم متكررة شملت عدداً من المباني في كل مرة.
أاضافت: تظهر تحليلاتنا لصور أقمار اصطناعية أن ما لا يقل عن 100 مبنى جرى تسويتها بالأرض في الناقورة خلال الأسابيع الماضية.
وأضافت أرديل أن معظم المباني المقابلة لمقرّ “يونيفيل” قد دمّرت الآن، واصفة “حجم الدمار” في الناقورة بأنه “مفجع حقّاً”. وتابعت قائلة: “هذه ليست مجرّد مبانٍ، بل تمثّل مجتمعاً قائماً بذاته”.
وقال ريناد منصور، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس البحثي في بريطانيا، إن “الأمر كان واضحاً منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ومنذ دخول إسرائيل وحزب الله في حرب، بأن هناك استراتيجية تتّبعها إسرائيل لإعادة صياغة ميزان القوى في المنطقة”.
وأبلغ عدد من الخبراء القانونيين وحدة تقصّي الحقائق أن تدمير الممتلكات محظور بشكل صارم بموجب القانون الدولي الإنساني، ما لم تفرضه ضرورة عسكرية.
وبحسب البروفيسورة جانينا ديل، الخبيرة في الأمن العالمي والقانون الدولي في جامعة أوكسفورد، فإن معيار الضرورة أعلى من مجرد الملاءمة العسكرية أو تحقيق أفضلية. وأضافت: “لا يشمل ذلك بالتأكيد تسوية قرى بأكملها بالأرض بوصفه تمهيداً لأمن وطني طويل الأمد”.
وأشار يوفال شاني، الخبير القانوني في معهد إسرائيل للديمقراطية، وهو مركز أبحاث، إلى أن تحديد المباني التي تحمل أهمية عسكرية يتطلّب أيضاً تقييماً لكل حالة على حدة.
وأضاف أن قدرة بعض المباني المدنية على أن تستخدم في أنشطة عسكرية “لا تبرّر اعتماد سياسة شاملة لإقامة مناطق عازلة بمحاذاة الحدود، تدمّر فيها كلّ المباني”.
تهجير المدنيين بشكل دائم
وقال البروفيسور بن سول، المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، إن “التدمير الواسع النطاق للمناطق السكنية” الذي تنفّذه إسرائيل، “ولا سيما في جنوب لبنان، وكذلك في أجزاء من بيروت”، يبدو أنه ينتهك القانون الدولي الإنساني.
ويشكّل المسلمون الشيعة الغالبية العظمى من سكان جنوب لبنان، إلا أن أبناء طوائف أخرى، من بينها مسيحيون، تعيش هناك أيضاً.
وقال سول إن نمط الهجمات في بعض المناطق “يبدو موجّهاً نحو ‘تطهير’ قرى وسكان أغلبهم [شيعة] من الجنوب، ومعاقبة السكان المدنيين جماعيّاً الذين قد يختلط بينهم مقاتلو حزب الله”.
من جهته، شدّد الدكتور لورنس هيل-كاثورن، المدير المشارك لمركز القانون الدولي في جامعة بريستول، على أن “القاعدة الأساسية في القانون” تنصّ على عدم جواز استهداف الأعيان المدنية.
وقال: “لا يُعدّ دفاعاً مقبولاً الادّعاء بأن التدمير الكامل للمدن والقرى في جنوب لبنان ضروري لإنشاء منطقة عازلة لاحتواء حزب الله”. وأضاف: “حتى لو أمكن اعتبار حرب إسرائيل في لبنان دفاعاً عن النفس ضد هجمات حزب الله، فإن سلوكها يبدو متجاوزاً بكثير إطار حرب دفاعية محدودة ضد هجمات محدّدة”.


