شفقنا العراق ــ واجه قطاع الثروة السمكية في العراق تحديات جسيمة أدت إلى تراجع معدلات الإنتاج المحلي، وسط تحذيرات من انعكاسات سلبية تطال الأمن الغذائي وسبل عيش آلاف الصيادين والمربين.
وتسببت أزمة شح المياه وردم البحيرات وتصاعد نسب الملوحة في تدهور الثروة السمكية في العراق، مما أجبر العديد من الصيادين، ومنهم “أبو حاتم” في قضاء الحفار بالديوانية، على ترك مهنتهم التاريخية واللجوء إلى مهن بديلة بسيطة لتأمين لقمة العيش بعد انخفاض مناسيب الأنهر وتراجع الغلة اليومية.
الأمن الغذائي في العراق
ويعدّ هذا القطاع من الركائز الأساسية للأمن الغذائي، كونه يوفر مصدرًا بروتينيًا رئيسيًا للأسر العراقية، فضلًا عن مساهمته في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل، لا سيما في المناطق الريفية والجنوبية حيث يمثل الصيد مصدر رزق أساسيًا لشريحة واسعة من السكان.
وقال أبو حاتم : “كان المردود اليومي من الصيد يصل إلى نحو 25 ألف دينار، اعتاش منها أنا وأسرتي”، مبينًا أن شحّ المياه وانخفاض مناسيب النهر أدّيا إلى تراجع أعداد الأسماك بشكل كبير.
وأضاف: “نهر الحفار، الذي يعد مصدر رزق لغالبية الصيادين في المنطقة، لم يعد يوفر إنتاجًا كافيًا، ما أجبرني على البحث عن عمل بديل”.
ويعمل أبو حاتم حاليًا في بيع قناني المياه في الشوارع، بدخل لا يتجاوز 10 آلاف دينار يوميًا، في ظل ظروف معيشية صعبة، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه صغار الصيادين.
أسباب تراجع الثروة السمكية
ويعزو مختصون أسباب تراجع الثروة السمكية إلى ردم البحيرات الطبيعية والصناعية، ما أدى إلى تقليص المساحات المائية المخصصة لتربية الأسماك، فضلًا عن انخفاض مناسيب المياه وارتفاع نسبة الملوحة، الأمر الذي أسهم في تدهور البيئة المناسبة للإنتاج السمكي، خصوصًا في مناطق الجنوب والفرات الأوسط.
وتشير دراسات بيئية إلى أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى فقدان نوعي للأسماك المحلية، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، بما يهدد الأمن الغذائي الوطني ويؤثر على التوازن البيئي للمسطحات المائية.
شح المياه
من جانبه، قال المتحدث باسم جمعية منتجي الأسماك العراقية، إياد الطالبي، إن “مربي الأسماك مرّوا بظروف قاسية بسبب شحّ المياه، إضافة إلى قيام الجهات الحكومية بردم المزارع غير المرخصة وإغلاق بعضها بقرارات ديوانية، مع الإبقاء على الأقفاص المغلقة فقط”.
وأوضح الطالبي أن هذه الإجراءات “تسببت بخسائر كبيرة للمنتجين”، مشيرًا إلى أن فتح باب الاستيراد دون ضوابط صارمة أدى إلى إغراق السوق بالأسماك المستوردة، ما أثر سلبًا على التسويق المحلي. وأضاف: “سعر الكيلوغرام من السمك المستورد وصل إلى نحو 3 آلاف دينار، مقابل نحو 5,500 دينار للمنتج المحلي، ما أدى إلى ضعف الطلب على المنتج الوطني”.
الاستيراد
وطالب الطالبي بإيقاف الاستيراد، خاصة من دول الجوار، ودعم المنتج المحلي عبر لجنة متخصصة لقطاع الأسماك في محافظة البصرة، لوضع استراتيجيات واضحة لاستدامة الإنتاج.
بدوره، أكد وكيل وزارة الزراعة، مهدي الجبوري، أن التحديات التي تواجه قطاع الثروة السمكية تتطلب معالجة متوازنة وشاملة.
وقال الجبوري: “المرحلة الحالية تستدعي تحقيق توازن في إدارة الموارد المائية، بما يضمن استدامة الإنتاج السمكي”، مشددًا على أهمية وضع سياسات واضحة لتنظيم الاستيراد وتقديم الدعم المالي والفني للمزارع السمكية، بما يعزز قدرة القطاع على مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية.
وأدى تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، ما يهدد الأمن الغذائي ويجعل السوق عرضة للتقلبات، فضلًا عن انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية من خلال تراجع دخل الصيادين والمربين وفقدان فرص العمل، الأمر الذي قد يفاقم البطالة ويزيد من ضغوط الفقر في المجتمعات الريفية.
تطوير برامج تدريبية للصيادين والمربين
ويؤكد مختصون أن إنقاذ قطاع الثروة السمكية يتطلب تدخلًا حكوميًا عاجلًا عبر دعم المنتج المحلي، وتنظيم الاستيراد، وإدارة الموارد المائية بشكل مستدام، إلى جانب تطوير برامج تدريبية للصيادين والمربين، وتبني حلول بيئية مبتكرة للحفاظ على التنوع البيولوجي للأسماك المحلية.

