شفقنا العراق ــ بات التوتر الأمريكي الإيراني في العراق يمثل عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل معادلات الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، حيث يجد العراق نفسه في قلب هذه التحولات المتسارعة وسط تقاطع المصالح الدولية وتزاحم الإرادات على أرضه، وهو ما أنتج واقعاً معقداً من “السيادة المعلّقة” التي انعكست بشكل مباشر على بنية الدولة ووظائفها الأساسية في ظل الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
انحسار التواجد العسكري وتصاعد الضغوط
قبل عام 2025، كان العراق يستضيف نحو 2,500 جندي أمريكي ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة، موزعين على قواعد في بغداد والأنبار وأربيل، إضافة إلى وجود قوات أخرى ضمن التحالف.
وبعد انسحاب القوات القتالية الأمريكية في عام 2025، اقتصر الحضور الأجنبي على البعثات الدبلوماسية، مع تراجع التواجد العسكري الفعلي.
ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي علي المعماري أن “السيادة العراقية أصبحت في حالة شبه عالقة بين مصالح الدول، ما يتطلب من الحكومة التوقف عن التصريحات التصعيدية تجاه أي طرف في هذه المرحلة الحساسة”.
ويضيف أن “المرحلة التي تلي أي صراع تستوجب اتخاذ إجراءات حقيقية لإعادة تنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن اتفاقات استراتيجية وأمنية، بهدف الحد من التدخلات الخارجية، والعمل على استعادة ثقة المجتمع الدولي بالعراق”.
ويشير إلى أن أزمة السيادة لا ترتبط فقط بحجم التدخلات الخارجية، بل أيضاً بغياب إطار استراتيجي واضح يعيد تعريف العلاقات الدولية وفق منطق المصلحة الوطنية، ما يستدعي تبنّي سياسة متوازنة قادرة على إدارة التناقضات.
تداعيات أمنية عابرة للحدود
ولم تقتصر تداعيات الصراع على الجانب السياسي، بل امتدت إلى البنية الأمنية في الإقليم، إذ أسهم التصعيد ، في ظل انخراط أو دعم من الولايات المتحدة، في خلق بيئة أمنية تتسم بالسيولة وعدم الاستقرار.
ويؤكد المحلل السياسي الأردني حازم عياد أن “التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أدى إلى انعكاسات أمنية خطيرة على الإقليم، وأسهم في تعقيد المشهد في دول مثل العراق ولبنان واليمن”.
ويضيف أن “دول الخليج والدول المحيطة بالعراق تواجه هشاشة أمنية متزايدة، وتراهن على الحكومة العراقية في ضبط المشهد السياسي والأمني ومنع تدهور الأوضاع”، مشدداً على أن استقرار العراق بات عاملاً حاسماً في توازن الأمن الإقليمي.
وخلال الأيام الماضية، تعرضت قاعدة عسكرية في بغداد قرب مطار بغداد الدولي لهجوم صاروخي أدى إلى تدمير طائرة عسكرية عراقية، بحسب وزارة الدفاع، من دون أن تتمكن السلطات من منع هذه الهجمات بشكل كامل، ما يعكس تحديات مستمرة في فرض السيطرة الأمنية.
وفي إقليم كردستان، أفادت مصادر عسكرية في حكومة الإقليم بأن عدد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت مناطق أربيل بلغ نحو 600 هجوم.
الصمود الاقتصادي والخيارات البديلة
على الصعيد الاقتصادي، يرى مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية مظهر محمد صالح أن تأثير الحرب على الاقتصاد العراقي لا يزال محدوداً نسبياً.
موضحاً أن السوق المحلية قادرة على امتصاص الصدمات بفضل توفر مخزونات استراتيجية من السلع القابلة للخزن لمدة تصل إلى سنة، فيما تمتد السلع المعمرة إلى نحو ثلاث سنوات.
وأضاف صالح أن استمرار تمويل التجارة الخارجية بسعر صرف يقارب 132 ألف دينار لكل 100 دولار، مدعوماً بتوازن نسبي بين السياسات التجارية والنقدية، أسهم في تعزيز مرونة الاستيراد واستقرار تدفقات العملة الأجنبية.
وأشار إلى أن الاحتياطيات الأجنبية التي تقترب من 100 مليار دولار تمثل مستوى مريحاً يدعم قدرة العراق على تمويل تجارته الخارجية والحفاظ على استقرار عملته.
وبيّن أن السياسة الاقتصادية تتجه نحو البحث عن بدائل استراتيجية، من بينها تفعيل ممرات تصدير النفط عبر بانياس في سوريا وإحياء خطوط النقل القديمة، بما يسهم في تنويع الخيارات وتقليل المخاطر.

