شفقنا العراق ــ لم يعد المشهد في العراق مجرد متابعة لأخبار الحرب العابرة للحدود، بل تحول إلى عبء يومي ثقيل أعاد صياغة أولويات العيش في بغداد والمحافظات. فبين تأخر صرف الرواتب وارتفاع أسعار السلع، يواجه العراقيون حالة من الحذر المالي غير المسبوق، حيث استبدلت العائلات خطط الترفيه والترميم بـ “اقتصاد النجاة”، وسط تساؤلات ملحة حول مدى قدرة الداخل العراقي على الصمود أمام تداعيات الصراع الإقليمي وتأثيراته على انسيابية الاقتصاد والحياة.
لم يعد صباح العراقيين يشبه ما كان عليه قبل أسابيع قليلة. فمع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتحول العراق إلى ساحة للمواجهة أو ممر لعبور الصواريخ والطائرات المسيرة عبر أجوائه، باتت الحياة اليومية أكثر وطأة وثقلاً. وكأن البلاد تستعيد سنوات مضت لا يرغب أحد في عودتها. وانعكس ذلك بوضوح على تفاصيل العيش البسيطة، من عادات التسوق والادخار إلى القدرة على التخطيط للأيام المقبلة.
ولم تعد أحاديث المقاهي ولا نقاشات العائلات والأصدقاء، وحتى رسائل مجموعات “واتساب”، تقتصر على السياسة فحسب، بل اتسعت لتشمل هموماً يومية أكثر إلحاحا، مثل ارتفاع الأسعار، ومستوى الرواتب، ومستقبل الاقتصاد، فضلًا عن التساؤل المقلق: هل ستظل هذه الحرب بعيدة عن الداخل العراقي، أم ستلقي بظلالها عليه بصورة أعمق؟
ويجد العراق نفسه في قلب معادلة شديدة الحساسية والتعقيد، بحكم موقعه الجغرافي وعمق ارتباطه بإيران على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية. ومع تصاعد وتيرة الحرب في الإقليم من دون مؤشرات واضحة على نهايتها، يعيش العراقيون حالة من القلق الصامت.
قلق سياسي ومادي
يقول أحمد عبد الكريم، وهو موظف حكومي في إحدى الدوائر الخدمية ببغداد، إن القلق لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح مادياً بشكل مباشر.
ويضيف في حديثه: “بدأنا نلاحظ تأخراً في صرف الرواتب، وحتى عندما تُصرف، يظل هناك خوف دائم من تأخرها أكثر إذا استمرت الحرب. لدي أسرة وأطفال، والراتب بالنسبة لي ليس مجرد دخل، بل هو الأساس الذي أرتب عليه كل شيء”.
ويتابع أحمد أن النقاشات داخل دائرة عمله لم تعد تدور حول الترقيات أو العلاوات، بل حول سؤال واحد: ماذا لو تدهور الاقتصاد أكثر؟ ويقول: “إذا تأثرت صادرات النفط أو انخفضت الإيرادات بسبب الحرب، فالموظف سيكون أول من يشعر بالضغط. نحن نخاف من مرحلة يصبح فيها تأخير الرواتب أمراً عادياً”.
في أحد الأسواق الشعبية، يقول مجبل السعيدي، تاجر مواد غذائية، إن ما يحدث في المنطقة لا يظل بعيداً عن السوق العراقية طويلاً.
ويضيف: “نعلم من التجارب السابقة أن أي حرب في المنطقة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، حتى لو لم تتأثر البضائع مباشرة. مجرد الخوف يدفع التجار إلى رفع الأسعار، والشركات تزيد تكاليف النقل، والنتيجة يتحملها المواطن”.
ويرى أنه “إذا استمرت الحرب وارتفعت الأسعار أكثر، فإن العائلة الفقيرة لن تستطيع شراء المواد الأساسية كما كانت تفعل. نحن نرى الآن أن بعض الزبائن بدأوا يقللون الكميات التي يشترونها، وهذا مؤشر واضح على أن الناس أصبحت تفكر مرتين قبل أن تنفق”.
الحرب تمس الحياة اليومية للعراقيين
هذا القلق الاقتصادي ينعكس أيضاً على طريقة متابعة العراقيين الحرب، فالأمر لم يعد مجرد حدث سياسي بعيد، بل قضية تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر، وهو ما يؤكده عدد من المواطنين الذين يتابعون الأخبار لحظة بلحظة.
يقول حسن الشهابي، وهو موظف في شركة أهلية، إن متابعة تطورات الحرب أصبحت جزءاً من روتينه اليومي. ويقول إن أول شيء يفعله صباحاً هو فتح المنصات الخاصة بالأخبار لمعرفة ما حدث خلال الليل، مبيناً: “الناس تخاف لأن العراق قريب جداً من إيران، وأي تصعيد قد يؤثر علينا بسرعة”.
زينب عزام، وهي ربة منزل في بغداد، تتفق مع رأي الشهابي، إذ ترى أن قرب العراق الجغرافي من إيران يجعل الشعور بالخطر أكبر. وتقول: “نحن نشعر أن البلد يعيش وسط مخاطر حقيقية، لأن الحرب ليست بعيدة عنا. لذلك بدأت أعيد تنظيم مصروف البيت، وأحاول تقليل الإنفاق قدر الإمكان، لأن المستقبل غير واضح”.
وتضيف أن كثيراً من العائلات باتت تفكر بالطريقة نفسها، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، موضحة: “لم نعد نشتري الكثير من الأشياء. الملابس أو بعض الاحتياجات قررنا تأجيلها أكثر، لأننا لا نعرف ماذا سيحدث في الأشهر المقبلة”.
هذه الحالة من الحذر المالي لا تقتصر على العائلات، بل تمتد إلى الشباب، لا سيما أولئك الذين بدأوا حياتهم الزوجية حديثاً، وكانوا يخططون لبناء مستقبل أكثر استقراراً هذا العام.
يقول عمر شاكر، وهو شاب متزوج منذ أشهر قليلة، إن الحرب غيّرت الكثير من خططه. ويضيف: “كنت أنوي شراء مفروشات جديدة للأرضيات، وطلاء المنزل، وتغيير البلاط القديم، لكنني قررت تأجيل كل ذلك. الآن أكتفي بالأشياء الضرورية فقط”.
ويتابع عمر في حديثه أن كثيراً من أصدقائه يفكرون بالطريقة نفسها، مضيفاً: “لا نعرف ماذا سيحدث إذا استمرت الحرب، لذلك نحاول أن نوفر المال قدر الإمكان”.
وتنعكس هذه القرارات الفردية في النهاية على قطاعات اقتصادية كاملة، من بينها قطاع السياحة، الذي بدأ يشعر بتراجع واضح في الإقبال، سواء على الرحلات الداخلية أو الخارجية.
تقول لافين قاسم، مديرة إحدى شركات السياحة في بغداد، إن الحركة السياحية تراجعت بشكل كبير منذ بداية الحرب. وتوضح: “كنا نتوقع موسماً جيداً للسياحة الداخلية، خاصة في إقليم كردستان، لكن القصف الذي تعرضت له بعض المناطق هناك جعل كثيراً من العائلات تتراجع عن السفر”، مضيفة أن السبب لا يقتصر على المخاوف الأمنية فقط، بل يشمل أيضاً الوضع الاقتصادي. وتؤكد أن “الكثير من العراقيين أصبحوا يفضلون الاحتفاظ بالمال بدلاً من إنفاقه على السفر، لأنهم يخافون من المستقبل”.

