شفقنا العراق-هل تنقذ الاحتياطيات النقدية العراق من شبح العجز أم أن استمرار الحرب سيُحدث فجوة مالية لا تُطاق؟ هذا السؤال يفرض نفسه مع تراجع الإيرادات النفطية بنسبة تصل إلى 80%، من 6-7 مليارات دولار شهرياً إلى مليار أو ملياري دولار فقط.
حدد خبراء ومختصون بالشأن الاقتصادي العراقي، بالأرقام تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد العراقي، وبينما أشاروا إلى أن العراق يخسر نحو 10 ملايين دولار يومياً نتيجة توقف الملاحة الجوية، بالإضافة إلى نحو 5 مليارات دولار شهرياً بسبب تراجع صادرات النفط، عبروا عن ثقتهم بقدرة الحكومة على سداد النفقات الضرورية ومنها الرواتب لمدة 6 أشهر بفعل الاحتياطي النقدي الكبير.
أزمة مركبة
وأوضح المختص في إدارة الأزمات، المهندس علي جبار، أنه «في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، يواجه الاقتصاد العراقي صدمة مركبة تتجاوز كونها أزمة نفطية تقليدية، لتتحول إلى أزمة تدفقات نقدية تمس جوهر المالية العامة للدولة»، مبيناً أن «العراق يعتمد على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات بنسبة تقارب 85 بالمئة إلى 90 بالمئة، ما يجعل أي اضطراب في الصادرات ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة في تمويل التزاماتها الأساسية».
وأضاف جبار، أن “التقديرات تشير إلى أن صادرات العراق النفطية تراجعت بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما أدى إلى انخفاض الإيرادات اليومية من نحو 240 مليون دولار قبل الأزمة إلى مستويات قد لا تتجاوز 50 مليون دولار حالياً”، مشيراً إلى أنه “يعني أن العراق يخسر فعلياً نحو 180 إلى 200 مليون دولار يومياً، أي ما يقرب من 5 إلى 6 مليارات دولار شهرياً».
تراجع الإيرادات
ولفت إلى أن «الإيرادات النفطية الشهرية قبل الأزمة تدور حول 6 إلى 7 مليارات دولار، بينما تقدر حالياً بين مليار إلى ملياري دولار فقط»، مؤكداً أنه «تراجع كبير يضع المالية العامة تحت ضغط شديد».
وبشأن توقف الملاحة الجوية، قال جبار: إنه “برغم أن أثره المباشر أقل حجماً مقارنة بالنفط، إلا أنه يحمل تداعيات اقتصادية أوسع”، موضحاً أن “الخسائر المباشرة من هذا القطاع تقدر بنحو 5 إلى 10 ملايين دولار يومياً، لكنها تتضاعف بشكل غير مباشر عبر تعطيل حركة الأعمال، وتأثيرها في السياحة الدينية، ورفع كلفة النقل والخدمات اللوجستية، وبالتالي فإن تأثيرها الحقيقي يظهر في تباطؤ النشاط الاقتصادي العام، وليس فقط في الإيرادات المباشرة».
الإنفاق الحكومي
وفي ما يتعلق بقدرة الحكومة على الاستمرار في الإنفاق، أفاد بأن «العراق لا يزال يمتلك هامش أمان مؤقت بفضل احتياطياته الأجنبية التي تقدر بنحو 95 إلى 100 مليار دولار»، لافتاً إلى أن «هذه الاحتياطيات تمنح الحكومة القدرة على تغطية الرواتب والنفقات الأساسية لفترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر».
واستدرك أن “المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه الاحتياطيات مخصصة أساساً لدعم الاستقرار النقدي، لا لتعويض فقدان الإيرادات النفطية بشكل مستمر”، مؤكداً أنه “مع استمرار الأزمة، ستجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استقرار سعر الصرف وبين تمويل الإنفاق الجاري».
وتابع، أنه “حتى الآن، تبدو إجراءات الحكومة أقرب إلى المعالجات قصيرة الأمد، مثل محاولة إيجاد منافذ تصدير بديلة أو التكيف مع الواقع الجديد، لكنها لا ترقى إلى مستوى خطة اقتصادية متكاملة لإدارة الأزمة”، مبيناً أن “المطلوب في هذه المرحلة هو الانتقال من إدارة الصدمة إلى إدارة التكيُّف، من خلال ضبط الإنفاق العام، وإعادة ترتيب الأولويات باتجاه حماية الرواتب والخدمات الأساسية، مع تقليص النفقات غير الضرورية، والعمل في الوقت ذاته على تعظيم أي إيرادات بديلة ممكنة حتى وإن كانت بكلف أعلى».
الاحتياطيات النقدية
وختم القول، إن «العراق لا يواجه فقط تراجعاً في الإيرادات، بل يمر بمرحلة اختبار حقيقي لمرونة اقتصاده»، منوهاً بأن «الاحتياطيات توفر وقتاً ثميناً، لكنها ليست حلاً دائماً، وإذا لم تتم استعادة جزء معتبر من الصادرات النفطية أو اتخاذ إجراءات مالية حازمة خلال فترة قصيرة، فإن الوضع قد ينتقل من مرحلة الضغط المالي إلى مرحلة الأزمة المالية التي تمسُّ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بشكل مباشر».
على صعيد ذي صلة، نبَّه الخبير الاقتصادي، جليل اللامي، بأن الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطاً مركبة تمسّ مصادر الإيرادات وقدرة الدولة على تمويل التزاماتها خصوصاً مع تقييد الملاحة الجوية وارتفاع مخاطر النقل والتأمين على صادرات النفط وهو ما ينعكس مباشرة على المالية العامة والاستقرار الاقتصادي».
توقف الملاحة الجوية
وأضاف اللامي، أنه «على الرغم من أن خسائر توقف الملاحة الجوية تبقى محدودة نسبياً إذ تقدر بحدود 3 ملايين دولار يومياً من رسوم المطارات والخدمات، إلا أن التأثير الأعمق يرتبط بالقطاع النفطي إذ إن معدل صادرات العراق كان نحو 3.3 مليون برميل يومياً بمتوسط سعر يقارب الـ 75 دولاراً للبرميل ما يعني أن الإيرادات اليومية تصل إلى نحو 247 مليون دولار، مشيراً إلى أن «أي تراجع بنسبة 10بالمئة يؤدي إلى خسارة تقارب 25 مليون دولار يومياً أو نحو 750 مليون دولار شهرياً فيما قد تصل الخسائر إلى أكثر من 1.5 مليار دولار شهرياً إذا ارتفع التراجع إلى حدود 20 – 25 بالمئة مع الأخذ بنظر الاعتبار أن التوترات الحالية قد ترفع كلف الشحن والتأمين بنسبة تصل إلى 30بالمئة ما يقلص صافي الإيرادات الفعلية».
وعن مستوى الإيرادات العامة، قال: إن “العراق كان يحقق شهرياً بين 8 إلى 9.5 مليار دولار، منها أكثر من 85بالمئة من النفط إلا أن هذه الإيرادات مرشحة للانخفاض إلى حدود 6 إلى 7 مليارات دولار في ظل التحديات الحالية خاصة إذا استمرت القيود على التصدير أو تذبذبت الأسعار العالمية في وقت يشهد فيه الاقتصاد تباطؤاً في القطاعات غير النفطية مثل النقل والسياحة والتجارة».
أما في ما يتعلق بتأمين الإنفاق الحكومي، ذكر الخبير الاقتصادي، أن “التحدي الأكبر يتمثل في تغطية نفقات شهرية تتراوح بين 10 ترليونات دينار عراقي تشمل رواتب أكثر من 4 ملايين موظف ومتقاعد إضافة إلى شبكات الحماية الاجتماعية والدعم التشغيلي”، لافتاً إلى أنه “يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين الإيرادات المتراجعة والالتزامات الثابتة إلا أن العراق يمتلك حالياً احتياطياً نقدياً يتجاوز 107مليارات دولار لدى البنك المركزي ما يوفر غطاءً مالياً يسمح بالاستمرار في تمويل الرواتب والنفقات الأساسية على المدى القصير».
الاقتراض الداخلي
ورأى أن «استمرار الأزمة لفترة تتجاوز 3 إلى 6 أشهر دون استقرار في الصادرات النفطية سيؤدي إلى ضغوط حقيقية على السيولة وقد يدفع الحكومة إلى اللجوء لعدة أدوات أبرزها التوسع في الاقتراض الداخلي عبر المصارف الحكومية أو السحب التدريجي من الاحتياطي النقدي أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق من خلال تأجيل المشاريع الاستثمارية وتقليل النفقات غير الضرورية مع احتمالية زيادة الاعتماد على الإيرادات غير النفطية مثل الضرائب والرسوم التي لا تزال تشكل أقل من 15بالمئة من إجمالي الإيرادات».
ولفت إلى أن “الاقتصاد العراقي قادر على امتصاص الأزمة مرحلياً بفضل العوائد النفطية والاحتياطي النقدي، مستدركاً أن “استمرار التوترات يهدد بخلق فجوة مالية متزايدة ويبقى العامل الحاسم هو استقرار واستمرار صادرات النفط حيث إن كل انخفاض بنسبة 10بالمئة في التصدير يعني خسارة تقارب 1 مليار دولار شهرياً وهو ما يجعل تأمين الإنفاق الحكومي مرهوناً بشكل مباشر باستقرار هذا القطاع الحيوي”.

