شفقنا العراق ــ بين مطرقة الالتزامات الدولية وسندان الضغوط الإقليمية، تجد بغداد نفسها اليوم في مواجهة أصعب اختباراتها السياسية والأمنية منذ سنوات.
ومع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية المباشرة وغير المباشرة، تتصاعد التساؤلات حول قدرة الحكومة على الحفاظ على خيط التوازن الرفيع.
ففي وقت تبذل فيه الدولة جهوداً مضنية لانتشال البلاد من دائرة الصراع، تفرض لغة المسيّرات والضربات المتبادلة واقعاً ميدانياً مغايراً، يشير بوضوح إلى أن العراق لم يعد مجرد مراقب، بل أضحى في قلب العاصفة.
العراق وسياسة التوازن
المحلل السياسي حمزة مصطفى بيّن في حديث أن “العراق يسعى إلى تجنب الانخراط في الحرب الدائرة في المنطقة، مع محاولته الحفاظ على التوازن بين الأطراف المتصارعة، رغم التحديات المتزايدة على الساحة الداخلية”.
وقال مصطفى إن “بغداد حريصة على أن لا تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ميداناً للحرب، وهي تحاول أن تلعب دور التوازن بين الطرفين المتحاربين، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وإيران”، مبيناً أن “هناك تفهماً من قبل الطرفين للدور الذي يحاول العراق القيام به”.
وأشار مصطفى إلى “انخراط بعض الفصائل المسلحة بشكل عملي في الحرب وإعلانها ذلك بشكل صريح”، مشيرًا في الوقت نفسه إلى “تداعيات الضربات التي تنفذها الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة الأمريكية والإسرائيلية، والتي تستهدف مواقع مرتبطة بالحشد الشعبي وبعض مواقع الفصائل المسلحة”.
ولفت مصطفى الى أن “العراق رغم رفضه هذه الاستهدافات لا يريد في الوقت نفسه أن ينخرط رسمياً في الحرب”، لافتاً إلى أن “الحكومة عبرت عن موقفها الرافض لهذه الضربات عبر قنوات مختلفة”.
دور المجتمع الدولي
وبيّن أن “بغداد قد تلجأ إلى المجتمع الدولي، عبر الجامعة العربية والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، في محاولة للحد من هذه الضربات ومنع توسع رقعة الصراع داخل الأراضي العراقية، وان الموقف لا يزال صعباً والظروف معقدة في ظل عدم وضوح أفق انتهاء الحرب أو طبيعة تطوراتها المقبلة”، مؤكداً أن “العراق سيواصل محاولة الحفاظ على التوازن وتجنب الدخول الرسمي في الصراع، لأن كلفة ذلك ستكون باهظة على مختلف المستويات”.
وتأتي هذه التطورات ضمن مرحلة من التوتر الإقليمي المتصاعد التي تشمل إيران والولايات المتحدة، وأحياناً أطرافاً أخرى في المنطقة، حيث أصبح العراق محوراً استراتيجياً غير رسمي للصراع، ويجعل هذا الواقع من الصعب على بغداد احتواء التداعيات أو ضبط تحركات الفصائل المسلحة، في ظل وجود قوى إقليمية متعددة تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر الأراضي العراقية.
احتواء تداعيات الحرب
في سياق متصل، أكد المحلل السياسي الدكتور زياد العرار في حديث أن “العراق بات جزءًا من الصراع الدائر في المنطقة”، مشيرًا إلى أن “الأطراف الثلاثة المتحاربة نفذت عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية، ما يعني أن محاولات إبعاد العراق عن أن يكون طرفًا في هذا الصراع لم تعد مجدية”.
وقال العرار: إن “الأحداث الميدانية قد تتطور بشكل أكبر داخل العراق خلال الأيام المقبلة”، لافتًا إلى أن “البلاد بحاجة إلى تفاهم داخلي سريع لاحتواء تداعيات هذه الحرب”.
وأضاف أن “الحرب مستمرة وتتجه نحو التوسع وفق المعطيات الحالية، خصوصًا في ظل التوجه الإيراني الجديد الذي قد يشمل دولًا أخرى ترى طهران أنها تساند واشنطن من خلال وجود قواعد عسكرية على أراضيها”.
وأشار العرار الى أن “العراق مطالب بالاستعداد للتداعيات الاقتصادية والسياسية التي ستفرضها هذه الحرب على المنطقة بأكملها، وليس على العراق فقط”، مؤكدًا أن “وتيرة التصعيد في المنطقة تسارعت بشكل واضح خلال الساعات الـ48 الماضية وفي مختلف الاتجاهات”.

