شفقنا العراق ــ اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط جعله اقتصادًا ريعيًا ينظم العلاقات السياسية والاجتماعية داخل بنية الدولة العراقية، فهو يضبط تلك العلاقات من جهة، لكنه يظهر هشاشة في البيئة الاقتصادية للبلاد من جهة أخرى.
ويرى باحثون أن عائدات النفط تحولت مع الوقت إلى أداة للضبط الاجتماعي والسياسي عبر آليات توزيع الريع، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات متزايدة تتعلق بهشاشة منافذ تصدير النفط.
ويأتي ذلك في ظل وضع إقليمي حساس وأحداث متسارعة قد تؤثر في استقرار الصادرات، ما يجعل أمن طرق التصدير عاملاً أساسياً في استقرار الاقتصاد الوطني.
ويقول الباحث الاجتماعي وأستاذ علم النفس في جامعة بغداد أحمد ذهب إن “الاقتصاد الريعي في العراق لا يمكن فهمه بوصفه مجرد نموذج اقتصادي يعتمد على الموارد الطبيعية، بل كمنظومة سياسية – اجتماعية تعيد إنتاج التبعية وتعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع”.
وأوضح أن هذا التحليل يستند إلى نظرية “الدولة الريعية”، التي ترى أن الريع لا يحدد فقط مصادر تمويل الدولة، بل يؤثر أيضاً في طبيعة السلطة وآليات إدارتها للمجتمع.
مورد اقتصادي لضبط اجتماعي
وأضاف ذهب، أن النفط في العراق تحول من مورد اقتصادي إلى أداة للضبط الاجتماعي ووسيلة للامتصاص السياسي، إذ أصبحت الدولة لا تنظم عملية الإنتاج بقدر ما تنظم توزيع الريع مقابل الولاء السياسي.
ونتيجة لذلك، لم تعد البنية الطبقية في المجتمع قائمة على الإنتاج، بل تحولت إلى فئات تعتمد بدرجات مختلفة على ما توزعه الدولة من موارد.
الطبقة الوسطى
وأشار إلى أن من أبرز نتائج هذا التحول تآكل استقلال الطبقة الوسطى، التي تعد في المجتمعات المستقرة طبقة منتجة ومستقلة نسبياً وقادرة على تحقيق التوازن بين المجتمع والسلطة.
إلا أن الاقتصاد الريعي في العراق أدى إلى استيعاب نسبة كبيرة من هذه الطبقة داخل جهاز الدولة، فأصبحت دخولها مرتبطة بالموازنة النفطية، فيما تراجعت روح المبادرة الاقتصادية لصالح البحث عن الوظيفة الحكومية الآمنة.
وبيّن أن هذه التحولات غيّرت دور الطبقة الوسطى من قوة توازن اجتماعي إلى طبقة حذرة تميل إلى المحافظة السياسية خشية فقدان امتيازاتها، الأمر الذي ينعكس في تراجع روح المبادرة وتضاؤل الاستعداد للمخاطرة الاقتصادية أو السياسية.
الاقتصاد الريعي العراقي يفرغ الطبقة الوسطى من مضمونها
وأكد ذهب أن الاقتصاد الريعي لا يقضي على الطبقة الوسطى بشكل مباشر، لكنه يفرغها تدريجياً من مضمونها الإنتاجي واستقلالها الاقتصادي، كما يؤدي إلى إعادة تعريف مفاهيم الكرامة والمكانة الاجتماعية. ففي المجتمعات الإنتاجية ترتبط المكانة بالكفاءة والإنجاز والقيمة المضافة، بينما في السياق الريعي تصبح مرتبطة بالقرب من مراكز القرار والقدرة على الوصول إلى موارد الدولة.
امتدادات ثقافية واجتماعية
ولفت إلى أن هذا التحول لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى الثقافة الاجتماعية، إذ يرسخ ثقافة الواسطة ويضعف أخلاقيات العمل، ما يؤدي إلى تآكل القيمة الرمزية للعمل نفسه وإعادة تعريف مفهوم النجاح داخل المجتمع.
وأشار ذهب إلى أن الاقتصاد الريعي يخلق ما يمكن وصفه بـ”الاستقرار الممول” بدلاً من “الاستقرار المنتج”. فعندما ترتفع أسعار النفط ترتفع الرواتب وتتوسع التعيينات الحكومية وتهدأ التوترات الاجتماعية، أما عند انخفاض الأسعار فتظهر البطالة المقنعة وتتزايد الضغوط الاقتصادية، ما يكشف هشاشة البنية الاقتصادية واعتمادها على تدفقات مالية خارجية.
وأوضح أن من أخطر نتائج هذا النمط الاقتصادي تفكك العلاقة الضريبية بين المواطن والدولة، وتضخم الجهاز البيروقراطي مع انخفاض الكفاءة، إضافة إلى نشوء شبكات زبائنية تتغلغل في المجتمع وتحول الثروة الوطنية إلى أداة سياسية.
وتابع بالقول إن الاقتصاد الريعي في العراق لم يكتفِ بإعادة توزيع الثروة، بل أعاد أيضاً توزيع الكرامة الاجتماعية نفسها. فحين تصبح المكانة الاجتماعية مرتبطة بالقرب من الدولة لا بالإنتاج والعمل، يظهر خلل بنيوي عميق في مفهوم العدالة الاجتماعية.
وفي ظل هذه الظروف تتعزز المحسوبية والوساطة بوصفهما آلية للوصول إلى الموارد، ما يضعف الإحساس بالجدوى ويؤدي إلى إحباط اجتماعي متزايد قد ينعكس سلباً على التماسك النفسي والاجتماعي داخل المجتمع.
ولا تقتصر هشاشة الاقتصاد الريعي في العراق على آلية توزيع العائدات النفطية داخل الدولة، بل تمتد إلى محدودية المنافذ التي يعتمد عليها البلد في تصدير النفط، ما يجعل استقرار الصادرات عاملاً أساسياً في استقرار الاقتصاد الوطني، خصوصاً في ظل الوضع الإقليمي الحساس والأحداث الراهنة التي تزيد من تعقيد تصدير النفط.
مخاطر المنافذ البحرية
ويحذر الباحث الاقتصادي حسنين تحسين من المخاطر المرتبطة بالمنافذ الحالية، مؤكداً أن العراق قيد نفسه بمنافذ التصدير الحالية ولا يمتلك بدائل استراتيجية طويلة الأمد، فيما تبقى الخيارات المتاحة حالياً وقتية وغير كافية لتأمين استمرار صادرات النفط بشكل مستقر.
وأضاف تحسين” أن التصدير عبر الأردن أو عبر أنبوب تركيا لا يشكل حلاً فعالاً، لأنه محدود القدرة ولا يلبي الاحتياجات الاقتصادية للدولة.
وأشار إلى أن العراق يحتاج منذ مدة طويلة إلى تأمين منافذ بديلة للتصدير، مبيناً أن “مشروع أنبوب العقبة أحد الحلول المهمة، لكنه توقف لأسباب سياسية وشعبوية، ما أضعف قدرة البلاد على تنويع طرق التصدير”.
ويرى أن المشروع الأهم يتمثل في إعادة إحياء خط كركوك – بانياس الذي يمر عبر الأراضي السورية، باعتباره أفضل مسار متاح حالياً، لأنه يتيح التعامل مع دولة واحدة فقط ويجنب العراق الاعتماد على أكثر من عشر دول أو المرور عبر مضائق وقنوات بحرية متعددة، ما يوفر مساراً مستقراً ومباشراً إلى البحر المتوسط.
وأشار تحسين إلى أن الوضع الإقليمي الحساس في الشرق الأوسط سيجعل التحديات الاقتصادية المقبلة صعبة، مؤكداً أن الحرب لن تستمر لفترة طويلة، لكن المرحلة القادمة قد تكون قاسية على الصادرات والاقتصاد العراقي، ما يستدعي التفكير الجدي في خيارات بديلة لضمان استقرار الاقتصاد الوطني.

