شفقنا العراق-شارع الرشيد يشهد تحولات تنظيمية جديدة بعد توجيهات أمانة بغداد لتغيير طبيعة المهن داخله بما ينسجم مع طابعه التراثي، إلا أن هذه الإجراءات تثير مخاوف واسعة لدى أصحاب المحال من خسائر مالية وارتفاع الإيجارات واحتمالات فقدان مصادر الدخل، في ظل أوضاع اقتصادية معقدة في بغداد.
خلال أشهر قليلة من توليه إدارة محله، تجددت آمال غيث عادل في تعويض خسائره السابقة، غير أن الخسارات عادت لتلاحقه ولكن بصورة مختلفة. ويقول:كنت أتمنى أن يكبر أطفالي وأن أعمل باستقرار، لأتمكن من توفير حياة هادئة لهم، في إشارة إلى ما يواجهه من خطر الطرد من محله المستأجر إذا لم يتمكن من تغيير طبيعة المهنة التي يزاولها.
وفي مواجهة أزمة أصحاب المحال العاملين في شارع الرشيد الذي يعدّ الشريان الرئيسي للنشاط التجاري في العراق أثار بيان أمانة بغداد مؤخراً الجدل حول “توجيه انذارات بتغيير طبيعة مهن المحال بما ينسجم مع الأهمية الثقافية والتاريخية للشارع”، جاء هذا بعد إعلان أمانة بغداد عن خطة متكاملة للحفاظ على البنايات التراثية في شارع الرشيد، بوصفه مركز بغداد التاريخي ومن مناطق الجذب السياحي للزائرين من داخل العراق وخارجه، وفقا لتعبير المتحدث باسم الأمانة عدي الجنديل.
ويقول الجنديل إن “قرار أمانة بغداد كانت غايته الأساس الاهتمام بهذا الشارع وأن تجعل المهن داخله تتلاءم مع أهمية عمله وتراثيته”.
ويعتقد الجنديل أن المهن الحالية التي باتت تمارس في بعض محال الشارع هي مهن طارئة لم تكن موجودة فيه سابقاً، إذ طرأت نتيجة تراكمات السنوات الماضية وقلة الاهتمام، إذ قام بعض المستثمرين بتغيير استعمال محالهم من دون ضوابط، فتحولت إلى محال لا تتناسب مع الطابع التراثي والثقافي لشارع الرشيد.
تغيير طبيعة المهنة
ويضيف الجنديل أن “هدف أمانة بغداد ليس إلغاء عمل هؤلاء أو إنهاء نشاطهم، بل العمل على تغيير طبيعة المهنة ذاتها بما يتناسب مع خصوصية الشارع وأهميته”.
ويرى أن القرار يستهدف توصيف النشاط لا الأشخاص، ويتسق مع رؤية متكاملة لتطوير شارع الرشيد وما جاوره من أماكن وبنايات تراثية، كشارع المتنبي ومنطقة السراي، التي شهدت أعمال تأهيل شاملة.
لم يقتصر دور أمانة بغداد على الجانب التنفيذي كما يتابع الجنديل، بل سبقته مرحلة توعوية وإعلامية، تم خلالها إبلاغ أصحاب المحال بضرورة تغيير النشاط الممارس بما يتلاءم مع طبيعة المكان، وفتح المجال أمامهم لممارسة مهن أخرى أكثر انسجاماً مع طبيعة الشارع.
ومن المتوقع أن يسهم هذا التحول، حسب المتحدث الرسمي باسم أمانة بغداد، في رفع القيمة الاقتصادية للمحال ذاتها، خاصة أن شارع الرشيد استعاد بريقه ليصبح وجهة رئيسة لسكان بغداد وزوارها من المحافظات الأخرى، بل ومن الوافدين من خارج العراق أيضاً.
وقد انعكس هذا الإقبال بشكل واضح على ارتفاع قيمة إيجارات المحال، ما يجعل التحول إلى المهنة الملائمة فرصة اقتصادية حقيقية لأصحابها، إلى جانب كونه إسهاماً في اظهار وجه بغداد الثقافي والحضاري.
غيث عادل، 49 عاماً، هو واحد من أصحاب المحلات التجارية في شارع الرشيد المتخصصة ببيع العدد اليدوية. ويقول إنه “عاد لمزاولة مهنته بعد أن تكبد خسارة كبيرة قبل تسع سنوات وترك على أثرها العمل، ولكنه قبل أشهر قليلة تمكن من استعادة نفسه وإمكاناته من جديد وشرع بتأجير محل في محاولة لتعويض خساراته السابقة، إلا أن أمانة بغداد غيّرت تلك الآمال، وقلبت الموازين بقرارها الأخير”.
من يتحمل الخسارة؟
وبموجب القرار، تشير أمانة العاصمة بغداد إلى “تجاوب أصحاب المحال التجارية، إذ أبدوا استعدادهم لتغيير مهنهم، التي يزاولونها بعد إنجاز أعمال التطوير والتأهيل الخاصة بالأمانة”، مؤكدة أن “هناك خطة متكاملة للحفاظ على المحال والبنايات التراثية بالتعاون مع دائرة التراث في وزارة الثقافة والسياحة والآثار”.
لكن مهند جماسي الذي يدير محلا لبيع المستلزمات النسائية في شارع الرشيد ينفي وجود أي تجاوب مع القرار، ويتساءل قائلا: هذه مهنتنا من سنوات طويلة، وهناك من ورث المهنة من أبيه وجده، فكيف يمكن أن نغير طبيعة المهن التي نزاولها بهذه السهولة؟
ويضيف باستغراب “لا يمكن استيعاب هذا التخبط بالقرارات وهذه التعسفية بمحاولة تنفيذها، ولا يوجد قانون يلزم صاحب المحل أن يغيّر شكل مهنته ويبدلها لأخرى، خاصة أن غالبية المهن تتم مزاولتها منذ عقود طويلة”.
تحديات اقتصاديَّة
يأتي قرار أمانة العاصمة بغداد في ظل أوضاع اقتصادية صعبة في البلاد، ويحذّر الاكاديمي المتخصص في الاقتصاد الدكتور مصطفى جبر من أن مثل هكذا قرارات ستكون لها تأثيرات سلبية في حال طبّقت من دون معالجات مدروسة تصاحبه.
ويقول جبر، إن “من أكبر التحديات الاقتصادية التي قد تواجه أصحاب المحال التجارية في شارع الرشيد بداية هي ارتفاع أسعار المحال من بيع وتأجير، ما سيفاقم الأزمة، خاصة مع انخفاض الدخل نتيجة “ارتفاع الرسوم الجمركية، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم (957) لسنة 2025” على السلع والبضائع.

