شفقنا العراق ــ انتقلت المرأة العراقية إلى عصر القيادة داخل أسرتها أولا وعلى مستوى المجتمع والبلاد عبر بوابات كثيرة على رأسها الاستقلال المادي والذي فرضته عبر متابعة التعليم أو العمل الاقتصادي الذي يجعلها شريكًا حقيقيًا في الأسرة بالتوازي مع الرجل.
وخلال السنوات الأخيرة، باتت المرأة العراقية تقود الكثير من العائلات، سواء بالشراكة مع الزوج، أو في موقع متقدم عليه.
الاستقرار المادي
وفي قلب هذا المشهد، تتقاطع تجارب نساء من أعمار وخلفيات مختلفة، غيّر الاستقرار المادي مواقعهن داخل الأسر، ومنحهن مكانة أكبر في اتخاذ القرارات، حتى في بيوت لا يزال الزوج حاضراً فيها.
ليس هذا التحوّل درامياً في حالة المدرّسة سناء الحلي (37 سنة)، لكنه حاسم، فهي أم لثلاثة أطفال ويعمل زوجها بأجر يومي غير مستقر. لذا يغطي راتبها وعملها في التدريس الخصوصي نفقات عائلتها.
وتقول : “حين يكون دخلي هو الوحيد المضمون، لا تعود القرارات ترفاً، بل ضرورة. راتبي الشهري يحدّد إيقاع الحياة داخل البيت، من الإيجار إلى أقساط المدرسة، ما يجعل كلمتي حاسمة في المنزل”.
وما تصفه سناء بأنه “حسم هادئ” تختلف صيغته لدى الموظفة الحكومية نوال مهدي (35 سنة) التي تعيش زواجاً قائماً على المشاركة، لكن بميزان مختل.
موضحة أن زوجها يتقاضى أجراً ثابتاً، لكن الفارق في الدخل يجعل المسؤوليات غير متساوية.
المال يمنح السلطة
وتضيف: “نتفق على كل شيء تقريباً، لكن عندما نصل إلى القرارات المصيرية، مثل شراء بيت أو تغيير مدرسة الأولاد، يعرف زوجي أنّ رأيي هو المرجّح.
وتابعت “هو لا يشعر بانكسار، بل يتعامل مع الأمور بواقعية، ولا يعارض ربما لأنه يدرك أنني الأكثر قدرة على حساب العواقب. المال يمنح سلطة حتى إذا لم تطلبها”.
وإذا كانت سناء ونوال تمثلان جيلاً لا يزال في منتصف الطريق، تكشف تجربة رواء أحمد (58 سنة) وجهاً آخر للتحوّل فهي أم وجدة في الوقت ذاته.
لم تعمل خارج البيت معظم حياتها، ثم قادتها الظروف إلى أن تملك معمل أطعمة جاهزة.
وتقول : “لم أخطط يوماً لأن أصبح صاحبة قرار، فكل ما أردته أن تعيش عائلتي بكرامة بعدما تقاعد زوجي. لكن مع الوقت تفوق دخلي على راتبه التقاعدي”.
وتضيف: “أقرر حالياً ما نصرفه، ووقت شراء الاحتياجات أو تأجيلها، ولا يعترض زوجي بل ينتظر رأيي في المسألة”.
شراكة اقتصادية
هذا التحوّل الذي يبدو أن دافعه الحاجة، تأخذه رنا سامي (41 سنة) إلى مساحة أكثر حداثة، فهي تعمل في بيع الملابس عبر منصات التواصل الاجتماعي، واستطاعت خلال سنوات قليلة بناء مصدر دخل يفوق دخل زوجها، وهو موظف.
وتشير، إلى أنّ “لحظة التحوّل حصلت حين أصبح دخلي أعلى، فتغيّرت نظرة زوجي تلقائياً.
وقالت: أنا لا أخجل من فرض رأيي أحياناً. أتابع الحسابات، وأدير الديون، وأعرف السوق، لذا من البديهي أن أكون صاحبة القرار.
وأكدت “زوجي لا يجد ذلك تهديداً، بل أمراً عملياً، ومن يعرف أكثر يقود الدفة”.
وهذا القبول الذي تتحدث عنه رنا يتجسّد بوضوح في موقف حيدر رسول (42 سنة)، وهو موظف حكومي لا يخفي أن زوجته وهي موظفة أيضاً تتقاضى راتباً أعلى منه، وتدير متجر ملابس نسائية يحقق أرباحاً جيّدة.
ويقول: “لم يتسبب هذا الأمر بأي توتر داخلي في العائلة، وأنا لا أقيس رجولتي بحجم راتبي.
وأضاف إن “زوجتي ناجحة، وهذا مكسب لي. تتولى إدارة البيت، وأنا أثق بقراراتها، ولا أشعر بأنّ دوري تقلّص، بل إنه تغيّر. فالأسرة فريق عمل، وليست ساحة صراع بين الزوجَين، ومن الطبيعي أن يقود الأسرة من يملك الأدوات”.
الضغوط الاقتصادية
من جهته، يضع الباحث الاجتماعي مهند الطائي هذه التجارب في سياق أوسع.
ويعتبر أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة للضغط الاقتصادي وتغيّر نمط الاستهلاك.
ويقول: “التقاليد لا تنهار، بل تتكيّف. حين يصبح الإنفاق اليومي عبئاً دائماً تظهر الحاجة إلى من يديره بكفاءة، وهذا الدور تلعبه المرأة غالباً.
وأضاف فعلياً أعادت ثقافة الشراء والتسوق المستمر تشكيل العلاقات داخل الأسر العراقية التي باتت لا تستطيع الاعتماد على دخل واحد بسبب النفقات الكبيرة التي تتجاوز القدرات في كثير من الأحيان.
وهكذا لم تعد قيادة العائلة حكراً على الرجل، في حين أنّ المرأة لا تحاول أن تنتزع القيادة التي تمنح لها بحكم الواقع السائد وحتمية مواجهة متطلبات كثيرة”.

