شفقنا العراق-راتب رمضان تحوّل من استحقاق مالي دوري إلى اختبار ثقة بين الدولة وموظفيها.
فبين تسريبات تتحدث عن ضغط في السيولة ونفي رسمي يؤكد أن الرواتب مؤمّنة، يبقى ملايين الموظفين أمام شاشة الصرّاف ينتظرون جملة الإيداع الحاسمة.
خلال السنوات الأخيرة، ظلّ النفط يوفّر ما يقارب 85 – 90% من إيرادات الدولة الفعلية، بينما بقيت الإيرادات غير النفطية – من جمارك وموانئ واتّصالات وكهرباء وضرائب وأملاك دولة – محصورة في هامش يتراوح غالباً بين 10 – 11%، على الرغم من كل الخطاب الرسمي عن “تعظيم الإيرادات غير النفطية”.
هذا يعني أن كل هزّة في سوق النفط، أو تأخير في التحويلات، أو تعقيد في إجراءات الصرف، تنعكس مباشرة على البند الأكثر حساسية: الرواتب.
فالدولة لا تتحرك على أساس “ما تملكه على الورق خلال سنة”، بل على أساس “ما تستطيع تحويله إلى سيولة جاهزة في اليوم الذي يحين فيه موعد الدفع”.
الخبير المالي والاقتصادي أحمد التميمي يلخّص الأمر بالقول إن تأخير الرواتب “لم يعد يمكن التعامل معه كحادثة إدارية عابرة”، بل هو إشارة إلى أن المنظومة المالية “تواجه ضغطاً مستمراً بلا إصلاحات جذرية”.
ثم يشرح أن ملايين الموظفين والمتقاعدين يعتمدون على الراتب كمصدر دخل وحيد تقريباً، وأي تأخير متكرر “يرفع منسوب الفقر والاحتقان، ويهدّد الاستقرار الاجتماعي”،
محذّراً من أن غياب خطة واضحة لمعالجة العجز وتراجع الإيرادات قد يدفع الدولة في كل مرة إلى “حلول إسعافية” مثل الاقتراض الداخلي، أو تجميد بعض المشاريع، مع ما يعنيه ذلك من زيادة في الدين العام وتآكل في قدرة المالية العامة على الصمود.
في هذه الصورة، لا تبدو المشكلة في “ندرة المال” بقدر ما تبدو في طريقة إدارة المال: دولة غنيّة بالإيرادات على الورق، لكنها هشّة في إدارة السيولة عندما يحين موعد صرف رواتب شهر واحد، خصوصاً إذا صادف في رمضان وقبيل العيد.
أزمة دائمة بلا قانون خاص للطوارئ المالية
البعد القانوني يضيف طبقة أخرى إلى المشهد. الخبير القانوني علاء السيلاوي يرى أن ما يجري لم يعد يصلح لوصفه كـ”أزمة ظرفية”.
كما يصف الوضع بأنه “حالة متكرّرة ذات امتداد زمني وتشعّبات متعددة، أشبه بأزمة دائمة”، تحتاج إلى إطار تشريعي مختلف عن ذلك الذي صيغ لعصور استقرار.
الدستور العراقي يتحدّث عن “حالة الطوارئ” في سياق أمني وعسكري عبر المادة (61/تاسعاً)، بينما تدار الضغوط المالية اليوم عبر مواد قانون الإدارة المالية الاتحادية، الذي يضع قواعد عامة للسياسة والانضباط المالي، من دون أن يقدّم تعريفاً دقيقاً لما يمكن تسميته “حالة طوارئ مالية”.
لا توجد نصوص تحدّد متى يمكن للحكومة أن تعلن أنها أمام وضع مالي استثنائي، ومن يملك حق إعلان ذلك، وما هي الإجراءات الاستثنائية المسموح بها، وما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها، خاصة في ما يتعلّق بحقوق الناس المالية.
قرارات إدارية متفرّقة
من وجهة نظر السيلاوي، هذا الفراغ التشريعي يجعل كل أزمة سيولة قابلة أن تدار بقرارات إدارية متفرّقة، من دون سقف واضح أو رقابة محكمة.
في غياب قانون خاص للطوارئ المالية، يمكن أن يتكرر المشهد نفسه: تسريب عن تأخير رواتب إلى ما قبل العيد خلال رمضان، نفي سريع، تأخير فعلي في بعض الدوائر، ثم عبور مؤقت للأزمة، من دون مراجعة شاملة تحدّد من يتحمّل المسؤولية، وكيف تعاد صياغة الأولويات عند الضيق.
قانون من هذا النوع لا يعني منح الحكومة شيكاً على بياض، بل وضع خريطة طريق ملزمة: كيف تحمى الرواتب والحماية الاجتماعية، ما الذي يمكن تجميده أو تأجيله، كيف تراقَب هذه الإجراءات برلمانياً وقضائياً، وما هي المهلة الزمنية القصوى التي يمكن أن تستمر خلالها “حالة الطوارئ المالية” قبل العودة إلى المسار الطبيعي.

