شفقنا العراق-رغم أن التعيينات الحكومية كانت على رأس أولويات المجلس النيابي، فإن غياب الاستراتيجيات الاقتصادية الشاملة والوعي العميق بأزمات الاقتصاد العراقي دفع البعض إلى توجيه هذه السياسات نحو مكاسب انتخابية غير مدروسة، مما قد يؤدي إلى تراكم الأعباء المالية على الحكومة.
في ظل تصاعد الخطاب النيابي الداعي إلى إطلاق تعيينات واسعة لمعالجة البطالة، تتجدد المخاوف من انزلاق مجلس النواب نحو مقاربات آنية ذات طابع انتخابي، بعيداً عن معالجات جذرية لأزمات الاقتصاد والإدارة العامة.
ويرى مراقبون أن غياب الرؤى الإصلاحية الواضحة وتراجع فاعلية الدورين التشريعي والرقابي أسهما في تعميق الاختلالات، وفتحا الباب أمام سياسات قصيرة الأمد تزيد من أعباء الدولة بدلاً من تخفيفها، فيما يحذر مختصون من أن استمرار النهج الحالي من دون إصلاحات تشريعية واقتصادية حقيقية سيؤثر سلباً في مستقبل الأداء المؤسسي والاستقرار المالي.
مؤكدين أن المطلوب هو إعادة توجيه بوصلة العمل النيابي نحو بناء الدولة، ومعالجة جذور البطالة والتضخم الوظيفي عبر دعم القطاع الخاص، وضبط الإنفاق، وتعزيز الرقابة على الأداء الحكومي، بما يخفف الثقل عن كاهل المالية العامة ويؤسس لاستدامة اقتصادية طويلة الأمد.
نزعة انتهازية
في معرض حديثه عن سلوك بعض أعضاء البرلمان، قال المحلل السياسي جاسم الموسوي، إنّ اللجوء إلى تبني سلوكيات شعبوية خارج السياق الدستوري لدورهم التشريعي والرقابي يظهر ضعف الوعي بالمهام الموكلة إليهم، أو محاولة متعمدة لاستثمار عواطف المواطنين لتحقيق مكاسب انتخابية، رغم إدراكهم المسبق بعدم إمكانية تنفيذ بعض الوعود التي يطرحونها.
وأضاف الموسوي أن من أبرز معضلات النظام السياسي في العراق “ابتعاد السلطة التشريعية عن دورها الحقيقي في بناء مؤسسات الدولة”،
مشيراً إلى أن “بعض النواب يتعاملون مع ملف التوظيف والتعيينات الحكومية وكأنه وسيلة دعائية، في حين أن واجبهم يتمثل في توفير بيئة تشريعية ومؤسساتية، تضمن أن تكون الوظيفة مقابل إنتاج حقيقي، بعيداً عما البطالة المقنعة أو التعامل مع الوظائف الحكومية بمنطق تجاري”.
وتابع أن النائب في حال امتلاكه نية إصلاحية حقيقية، يمكنه ممارسة دور الاحتجاج والعمل داخل البرلمان عبر تشريع القوانين وتفعيل الأدوات الرقابية، خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة الفساد المالي والإداري، بدلاً من الانخراط في ممارسات دعائية.
ولفت إلى غياب أدوات رادعة واضحة لمن يتجاوز حدود مهامه النيابية، معتبراً أن من الممكن للمحكمة الاتحادية أن يكون لها دور أكبر في ضبط هذه السلوكيات.
وبيّن أن “الدورات النيابية السابقة، ولا سيما الدورة الخامسة، شهدت تراجعاً واضحاً في الأداء التشريعي والرقابي، مقابل تصاعد الخطاب الشعبوي والسلوكيات الدعائية التي أثرت سلباً في الوضع المالي للدولة”.
استثمار معاناة الناس سياسياً
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي يعقوب الحساني إن التخبط الواضح في إدارة شؤون البلاد وسوء التخطيط في عدد من مؤسسات الدولة انعكس بشكل كبير على ملف التوظيف، مؤكداً أن هذه الأزمة يمكن وصفها بالمزدوجة وأن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 تتحمل المسؤولية الأساسية عنها اضافة للبرلمانات السابقة.
وأضاف الحساني أن المشكلة الأولى تتمثل في عدم فهم النائب لدوره وقصور الرؤية، اضافة لان الكثير من هؤلاء لا يفقهون العمل النيابي ولا يملكون سوى هذه الخطابات الخادعة”.
واشّر كذلك غياب اي خطة حقيقية في مجال التعليم، وعدم وجود دراسات دقيقة تراعي التوازن بين أعداد خريجي الجامعات وحاجة سوق العمل وآليات استيعابهم، ما جعل رغبة الشاب بالوظيفة مساحة مناسبة للاستثمار السياسي.
وزاد بالقول: إن “التوسع في افتتاح الجامعات الأهلية، التي تعود غالبيتها إلى جهات حزبية، أسهم في تخريج آلاف الطلبة الباحثين عن فرص عمل، بالتزامن مع ضعف القطاع الخاص وعدم توفر خطط واضحة لتوفير درجات وظيفية، ما أدى إلى تراكم الأزمة وتفاقمها. وهناك العشرات من بين هؤلاء صاروا نوابا”.
التعيينات الحكومية.. دوافع انتخابية
وأشار إلى أن بعض الحكومات “لجأت، بدوافع انتخابية، إلى تعيين أعداد كبيرة من الخريجين وأصحاب العقود دون دراسة تبعات هذه الإجراءات”،
لافتا الى أن “شريحة الخريجين أصبحت هدفاً للمزايدات السياسية، إذ يطالب بعض أعضاء مجلس النواب بتعيينهم بدلاً من العمل على تشريع قوانين تنظم عمل الجامعات الأهلية وتدعم تنشيط القطاع الخاص”.
وحذّر الحساني من أن الاستمرار بسياسة التعيين العشوائي قد يقود إلى مخاطر اقتصادية أكبر مما هو قائم حالياً، داعياً إلى تبني سياسات تعليمية واقتصادية مدروسة تسهم في معالجة جذور الأزمة بشكل مستدام.

