شفقنا العراق-مع مرور عقود على شعار حصر السلاح بيد الدولة، يظل العراق يعاني من أسلحة منتشرة خارج الأطر القانونية، ما يهدد الاستقرار ويضاعف خطر النزاعات الداخلية.
ظل شعار “حصر السلاح بيد الدولة” ملازماً للخطاب السياسي العراقي لعقود، بوصفه عنواناً لإعادة بناء الدولة وتعزيز هيبتها، غير أن تطبيقه واجه تحديات متشابكة بين الواقع الأمني والسياسي؛ فقد شهدت البلاد مؤخراً حوادث مأساوية، بينها مقتل اثنين من منتسبي وزارة الداخلية في كربلاء خلال واجب أمني، وتبادل إطلاق نار خلال مداهمة في منطقة الدورة ببغداد، ما يعكس استمرار ظاهرة السلاح المنفلت وضرورة تكثيف الجهود الأمنية والسياسية للسيطرة عليها.
ويشير خبراء أمنيون وسياسيون إلى أن المشكلة لا تكمن في التشريعات، بل في غياب الإرادة السياسية، ووجود فصائل مسلحة خارج إطار الدولة، بعضها يمتلك دعماً لوجستياً ومالياً من خارج الحدود، ما يجعل معالجة هذا الملف معقدة وتتطلب حواراً وطنياً وسياسات متسقة لضمان استقرار البلاد وحماية المواطنين.
“ظاهرة مزمنة”!
وحذر المحلل السياسي محمد زنكنة من أن ملف السلاح المنفلت في العراق لم يعد مجرد أزمة أمنية عابرة، بل تحول إلى ظاهرة مزمنة تعكس عجز الدولة أو تواطؤها مع قوى نافذة.
وأكد أن تكرار الحديث عن هذا الملف دون حلول حقيقية من وزارات الداخلية والدفاع والأجهزة المختصة أفقده جدواه، في ظل غياب أي إجراءات عملية على الأرض.
وأضاف زنكنة أن ما يسمى بالحوادث الفردية لا يمكن فصلها عن منظومة دعم سياسي وحزبي وميليشياوي، مشيرا إلى أن مرتكبي الجرائم لا يمكنهم الإفلات من العقاب لولا وجود غطاء قوي داخل مؤسسات أمنية أو تنظيمات حزبية مسلحة، بعضها غير قانوني لكنه مدعوم بشكل غير مباشر من الدولة.
وبيّن أن المشكلة لا تكمن في القوانين، فالتشريعات العراقية مكتوبة بشكل متقدم، لكنها لا تطبق، لتبقى حبرا على ورق. وعزا ذلك إلى غياب الرقابة، وضعف هيبة الدولة، وانتهاك حقوق الإنسان، فضلا عن هشاشة الحكومة وافتقارها إلى إرادة سياسية حقيقية لفرض الأمن وحماية السلم الأهلي.
وزاد بالقول أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية كبيرة في تفشي هذه الفوضى، إذ تسهم في إضعاف الدولة وتحويلها إلى كيان هش، بل وتجعلها خاضعة لتأثيرات خارجية، في وقت تتدفق فيه الأسلحة إلى البلاد بطرق غير شرعية. وحذّر من أن أي محاولة حكومية جادة لضبط السلاح قد تؤدي إلى صدامات مسلحة مع قوى حزبية وميليشياوية، وربما إلى نزاعات داخلية محدودة.
وختم زنكنة بالتأكيد على أن استمرار هذا الواقع سيدفع المواطنين إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، ويعزز اقتصاد السلاح والتهريب، مشيرًا إلى أن الحكومة، في ظل ضعفها الحالي، لن تتجاوز إصدار بيانات وقرارات شكلية غير قابلة للتنفيذ، ما يعني بقاء ظاهرة السلاح المنفلت دون حل في المستقبل القريب.
حصر السلاح شرط أساسي للاستقرار
من جهته، قال الخبير الأمني صفاء الأعسم أن العراق يواجه اليوم إشكالية حقيقية تتمثل بوجود سلاح خارج سيطرة الدولة، مؤكداً أن الحديث لا يشمل التشكيلات الرسمية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بل ينصرف إلى جهات تمتلك أسلحة متوسطة وثقيلة خارج الأطر القانونية.
ويفرق الأعسم بين السلاح الشخصي الخفيف الذي يحتفظ به بعض المواطنين داخل منازلهم، والذي يعد ـ حسب تعبيره ـ أمراً شائعاً في المجتمع العراقي، وبين السلاح المتوسط والثقيل الذي لا يسمح قانوناً بامتلاكه من قبل جهات مدنية، إذ إن هذا النوع من السلاح لا يتم تداوله عالمياً إلا بين الدول.
ويشير إلى أن انتشار هذا النوع من السلاح يعود إلى ظروف سابقة، لا سيما بعد عام 2003 وما رافقه من تفكك أمني، إضافة إلى سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد واستحواذه على مخازن عسكرية، فضلاً عن عمليات تهريب السلاح عبر الحدود الجنوبية والغربية والشرقية.
ويرى أن امتلاك بعض العشائر أو الجهات المسلحة لأسلحة متوسطة وثقيلة، خصوصاً في بعض مناطق الجنوب، يمثل خطراً حقيقياً، لأنه قد يفوق في قدراته تسليح الشرطة المحلية، ما يخلق حالة موازية لسلطة الدولة ويهدد باندلاع صراعات داخلية.
ويؤكد أن الإشكالية الكبرى تكمن في الفصائل التي لا ترتبط لوجستياً أو مالياً بالدولة العراقية، وتتلقى دعماً من خارج الحدود، ولا تخضع لإمرة القائد العام للقوات المسلحة. ويشدد على ضرورة التمييز بينها والفصائل المنضوية ضمن التشكيلات الرسمية.
وبحسب الأعسم، فإن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تكون عسكرية بحتة، لأن اللجوء إلى القوة قد يفتح الباب أمام مواجهات داخلية معقدة. ويرى أن الحل يجب أن يكون سياسياً عبر حوار وتفاهمات تؤدي إلى نزع السلاح وتحويل هذه الجهات إلى أطر سياسية مدنية، مستشهداً بتجارب إقليمية شهدت انتقال جماعات مسلحة إلى العمل السياسي.

