شفقنا العراق-الاكتظاظ المدرسي لم يعد ظاهرة عابرة في مدارس العراق، بل تحول إلى أزمة بنيوية تتفاقم عاماً بعد آخر مع تسارع النمو السكاني الذي يقترب من مليون نسمة سنوياً.
ترتبط البنى التحتية للتربية والتعليم ارتباطاً مباشراً بالزيادة السكانية والوضع الاقتصادي لأي بلد.
وإذا كان العراق يسجّل نمواً يقارب مليون نسمة سنوياً، فإن السؤال المشروع يصبح: كيف يؤثر ذلك على عدد مدارسنا؟ وكيف يمكن احتواء أعداد الطلبة التي تتجاوز في بعض الصفوف 65 طالباً، في معادلة ترهق الطالب والمعلم على حد سواء.
الاكتظاظ المدرسي تحول إلى أزمة تمسّ جودة التعليم وقدرة الكادر التدريسي على الأداء، فضلا عن انعكاساته النفسية والسلوكية على الطلبة.
زيادة نمو وقلة إيرادات
المهندس والخبير الاقتصادي منار العبيدي يضع بداية الأزمة في ميزان الأرقام، قائلاً: إن معدل النمو السكاني في العراق مرتفع مقارنة بدول كثيرة، إذ تصل الزيادة السنوية إلى نحو مليون نسمة.
ويشير إلى أن العرف الاجتماعي السائد يقوم على أن الدولة تتكفل بتوفير معظم الخدمات، بخلاف العديد من الدول التي لا يكون التعليم فيها مجانياً بالكامل، موضحاً أن لكل نظام مزاياه وعيوبه، غير أن المشكلة تتفاقم عندما تتزايد أعداد السكان من دون نمو مماثل في إيرادات الدولة.
ثم يضيف العبيدي: إذا افترضنا أن نحو مليون طالب يدخلون المدرسة سنوياً، وأن المدرسة الواحدة تستوعب بحدود ألفي طالب، فهذا يعني الحاجة إلى بناء ما لا يقل عن 500 مدرسة كل عام لاستيعاب الأعداد الجديدة، وهو هدف صعب التحقيق بالسرعة المطلوبة في ظل الإمكانات الحالية.
ويطرح العبيدي التفاتة تتعلق بأهمية تأهيل الأساتذة والمعلمين لتبنّي معايير ومناهج دراسية مختلفة تكون متوافقة مع احتياجات السوق الحديثة، وهو أمر نفتقر إليه أيضاً بحسبه.
ثلاث مدارس في بناية واحدة
لم يقتصر الأمر على زيادة كبيرة في الصف الواحد وتبعاته السلبية على الطلبة والمعلمين، بل تعدّى إلى أن تكون المدرسة الواحدة أشبه بمجمّع للمدارس، للصباحي والمسائي والابتدائي والثانوي معاً، والاسم هو التغيير الوحيد الذي يطرأ على المدرسة.
الطالبة عسل علاء، في الصف السادس الابتدائي، تروي جانباً من هذه المعاناة، موضحة أن مدرستها “ابن طفيل” ليست مدرسة واحدة فعلياً، بل ثلاث مدارس في بناية واحدة: “ابتدائية ابن طفيل المختلطة”، و”ابتدائية ريحانة”، و”متوسطة النهضة المسائية للبنات”.
وتشير عسل إلى أن دوامها يبدأ من الثامنة صباحاً وينتهي عند العاشرة والنصف فقط، من دون فرصة أو استراحة تذكر، داخل صف يضم نحو خمسين طالباً وطالبة.
هذا الاكتظاظ المدرسي– حسب روايتها – لم يقتصر أثره على الإرهاق الدراسي، بل تعدّاه إلى الجانب الصحي، إذ أصيبت أكثر من مرة بفيروس تنفسي يشبه “كورونا” نتيجة العدوى داخل الصف المغلق، لتنقل المرض بدورها إلى أفراد أسرتها الذين عاشوا معها معاناة متكررة.
الاكتظاظ المدرسي ومعاناة المعلمين
المحنة كانت مع المعلمين والمدرسين أيضاً في هذه الأزمة، فهم أمام إرباك وفوضى في إيصال شرح المواد في الصف والسيطرة على الطلبة مع هذه الأعداد الكبيرة من جهة، ومع محنة تصحيح دفاتر بالمئات للصف الواحد وليس للمرحلة، فالمشكلة ليست في عدم توفر صفوف إضافية للطلبة فقط، بل عدم توفر معلمين أيضاً يوازي عددهم، إذ نجد في بعض المدارس معلماً واحداً لمراحل عدة.
تحدي التربية
مع تداعيات هذه الأزمة والمعاناة من الطلبة والمعلمين، كان رد وزارة التربية عبر المتحدث الرسمي باسمها “كريم السيد”، إذ تحدث قائلاً: “ملف الأبنية المدرسية والبنى التحتية هو واحد من أهم وأبرز الملفات التي تعمل عليها وزارة التربية، بل هو التحدي الأكبر الذي يواجهها بسبب التوسع السكاني الذي لا تقابله أعداد كافية للأبنية المدرسية، خصوصاً بعد توقف عجلة الأبنية المدرسية تقريباً في العقد الماضي من 2011 إلى 2020، فلم تكن هناك مبانٍ جديدة”.
ليضيف السيد أن هناك مشاريع لإضافة أكثر من 1700 مدرسة دخلت حديثاً إلى الخدمة، مع العمل على 650 مدرسة ضمن صندوق العراق للتنمية.
ذاكراً أن تفاصيل الـ1700 مدرسة توزعت بواقع 1000 مدرسة ضمن العقد الصيني ومشاريع المدارس النموذجية، و700 مدرسة ضمن مشاريع تنمية الأقاليم ومشاريع الوزارة. وبذلك فإن هذه الأعداد لم تكن كافية لردم الفجوة التي كانت تقدَّر بنحو 8 آلاف مدرسة، لأن فكّ الاختناقات يحتاج إلى أكثر من 10 آلاف مدرسة.
ثم أضاف أن التحدي كبير، وأن وزارة التربية تعمل على توسيع قطاع المدارس الأهلية لزيادة الاستيعاب، إلى جانب اعتماد بعض السياسات التربوية التي تسهم في تقليل الزخم داخل الصف الواحد، مثل قرارات الانتساب، وقرارات التحميل، ونظام المحاولات، التي يمكن أن تخفف من أعداد الطلبة في القاعات الدراسية.
كما أكد أن البلاد تحتاج إلى موازنة كبيرة وجهود استثنائية، لا سيما أن أكثر من مليون و200 ألف طالب يسجلون سنوياً في الصف الأول الابتدائي، مشيراً إلى أن المؤشرات الرقمية مرشحة للارتفاع خلال السنوات المقبلة.

