شفقنا العراق-الازدحام المروري في بغداد لم يعد مجرد مشهد يومي مألوف، بل تحوّل إلى أزمة مركبة تضغط على الاقتصاد والبيئة والصحة العامة.
تواجه العاصمة العراقية بغداد ضغطاً مرورياً متزايداً في ظل عدم قدرة شوارعها على استيعاب الأعداد الكبيرة من السيارات، سواء المسجلة بداخلها أو الوافدة من المحافظات. وتشير بيانات رسمية إلى أن عدد المركبات في بغداد يقترب من ثلاثة ملايين سيارة.
وفي وقت تعتمد فيه المدينة على شبكة طرق قديمة لم تشهد توسعات كافية تلبّي متطلبات هذا النمو، تتصاعد الاختناقات المرورية، ولا سيّما خلال أوقات العمل والدوام الرسمي، ما يؤثر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وعلى نمط حياة السكان.
وتظهر تقديرات اقتصادية أنّ الازدحام المروري في بغداد يتسبب بخسائر سنوية تقدّر بنحو مليارَي دولار أميركي.
ويؤكد مدير إعلام مديرية المرور العامة حيدر شاكر أن شوارع العاصمة لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المركبات، إذ يصل عدد السيارات إلى نحو ثلاثة ملايين، الأمر الذي يفرض ضغطاً كبيراً على البنية التحتية المرورية.
ويوضح، أن هناك جهوداً مضاعفة تبذلها مفارز ورجال المرور لتنظيم حركة السير والحد من الاختناقات، حيث يقطع المرور موقتاً في بعض الشوارع الرئيسية، بسبب أعمال التأهيل والتنفيذ.
فك الاختناقات المرورية
كما يشير إلى أن طرقات عدّة لا تزال قيد الإنشاء، وأن إنجاز هذه المشاريع سيساهم بشكل مباشر في فك الاختناقات المرورية وتحسين الانسيابية في شوارع بغداد، خصوصاً في أوقات الدوام الرسمي لموظّفي الوزارات والمؤسسات.
ويضيف شاكر: “أصدرت مديرية المرور العامة توجيهاتٍ للمواطنين من أجل استخدام الطرق البديلة لتخفيف الضغط عن الطرق الرئيسة، بالتزامن مع غرفة عمليات مشتركة تضم مديرية المرور العامة، ودائرة الطرق والجسور، وأمانة بغداد، إلى جانب الوزارات والجهات المساندة، بهدف تنظيم الحركة المرورية بشكل أفضل”.
ويبيّن شاكر أنّ بغداد تعدّ مدينة قديمة بتصميم عمراني تقليدي، شوارعها غير مهيّأة لاستيعاب الأعداد الهائلة من السيارات، ما يستدعي توسعة العديد من الطرق والشوارع، متحدثاً عن صدور توجيهات رسمية لمنع تجوّل الشاحنات داخل العاصمة خلال أوقات الذروة، وذلك بهدف الحدّ من الاختناقات المرورية في بغداد.
كما يلفت المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي إلى أنّ الزيادة في أعداد السيارات خلال السنوات الأخيرة جاءت أسرع من قدرة التخطيط الحضري وتوسّع شبكات الطرق في المدن الكبرى، ومنها بغداد.
ثم يوضح أنّ إجمالي السيارات الخاصة في العراق وصل إلى ثمانية ملايين سيارة حتى نهاية عام 2025، وهو ما انعكس بشكل مباشر على بغداد ذات الكثافة السكانية العالية التي يتجاوز عدد سكانها 8.4 ملايين نسمة.
النمو غير المتوازن
ويشير الهنداوي إلى أن هذا النمو غير المتوازن يعكس فجوة تخطيطية بين التوسع العمراني، ووسائل النقل المتاحة، وقدرة البنى التحتية القائمة، مبيّناً أن استمرار الاعتماد على المركبات الخاصة من دون بدائل فاعلة يضاعف الضغط على الخدمات الحضرية.
ويتابع: “تتطلب المعالجة سياسات تخطيط طويلة الأمد تقوم على تطوير النقل العام، وإعادة توزيع الأنشطة الحكومية، وربط التوسع السكاني بشبكات نقل مستدامة، وزيادة الطرق وفقاً للتوسع الحضري والعمراني وإنشاء طرق رئيسية تخفف الضغط الحاصل داخل العاصمة”.
ويرى الخبير الاقتصادي صلاح عريبي أنّ الازدحام المروري في بغداد لم يعد مسألة خدمية أو تنظيمية فقط، بل تحوّل إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية مركّبة أثرت بشكل مباشر على نمط حياة السكان وكفاءة المدينة.
ثم يؤكد أنّ الوقت الطويل الذي يقضيه المواطنون يومياً في التنقل داخل العاصمة يترجم خسائر اقتصادية ملموسة، من خلال انخفاض الإنتاجية، وارتفاع كلفة الوقود والصيانة، وزيادة الإنفاق الأسري المرتبط بالنقل.
ويكشف عريبي أن “التقديرات تفيد بأنّ الازدحام المروري في بغداد بتسبب بخسائر سنوية قد تصل إلى نحو مليارَي دولار، ويساهم أيضاً في ارتفاع مستويات التوتر والإجهاد النفسي، ويؤثر سلباً على التوازن بين العمل والحياة الأسرية، ما يحتّم إدراج معالجة الأزمة ضمن سياسات حضرية شاملة تجمع بين النقل العام، والتخطيط العمراني، وتقليل الهدر الاقتصادي اليومي في العاصمة”.
الارتفاع الكبير في أعداد السيارات
بدوره، يوضح الخبير البيئي حمزة رمضان أنّ الارتفاع الكبير في أعداد السيارات داخل بغداد، ولا سيّما المركبات الكبيرة والشاحنات، ساهم بشكل واضح في تدهور نوعية الهواء وارتفاع مستويات التلوث البيئي، خصوصاً في أوقات الذروة المرورية.
وينبّه إلى أن كثافة انبعاثات العوادم الناتجة عن المركبات القديمة وغير المطابقة للمعايير البيئية تؤدي إلى زيادة تركّز الملوّثات في الأحياء السكنية، ما ينعكس سلباً على صحة السكان وحياتهم.
ويحذّر رمضان من أنّ هذا الواقع يفاقم مشكلات الجهاز التنفسي وأمراض الحساسية، ويرفع معدلات الإجهاد الصحي، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن، لافتاً إلى أن التلوث المروري بات أحد التحديات البيئية الصامتة في بغداد،
ويشدّد على أنّ المعالجة تتطلب حلولاً بيئية وفنية متكاملة، تشمل تنظيم حركة المركبات الثقيلة، وتشجيع المركبات التي تعمل بالطاقة النظيفة، وتشديد الفحص البيئي للمركبات، وتحفيز استخدام وسائل نقل أقلّ تلويثاً، إلى جانب التوسع في النقل الجماعي والمساحات الخضراء، بما يساهم في تقليل الانبعاثات وتحسين جودة الحياة داخل العاصمة.

