شفقنا العراق ــ يواجه العراق تحديات أمنية جسيمة من جرّاءِ تراكم ملف نقل معتقلي داعش من السجون السورية إلى مراكز الاحتجاز الوطنية، وسط تحذيرات من تحول البلاد إلى “مستودع دائم” للإرهاب الدولي نتيجة تنصل العواصم الغربية من استعادة رعاياها، وهو ما يضع السيادة العراقية أمام اختبار أمني وقانوني معقد.
وبينما تؤكد الحكومة أن الخطوة جاءت لمنع تسرب العناصر وحماية الأمن الوطني، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى استعداد العواصم الأوروبية لتحمّل مسؤولياتها هذه المرة، بعدما تجاهلت دعوات مماثلة صدرت سابقاً عن قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي.
أعداد معتقلي “داعش”
وحسب تصريحات الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية صباح النعمان، فإن عدد عناصر “داعش” الذين جرى نقلهم وإيداعهم في السجون العراقية تجاوز 5064 إرهابياً حتى الآن، في عملية وصفها بأنها تمت وفق “حسابات دقيقة” وبإجراءات أمنية مشددة، مؤكداً عدم تسجيل أي خرق داخل مرافق الاحتجاز.
تباطؤ النقل
غير أن تقريراً لوكالة “رويترز” أشار إلى تباطؤٍ واضحٍ في عمليات النقل مؤخراً، عقب مطالبة بغداد للدول المعنية باستعادة رعاياها.
وذكر التقرير أن العراق استقبل خلال أسبوع واحد أكثر من 500 عنصر، بينهم 210 عراقياً ونحو 400 أجنبي، في ظل تنسيق مع الولايات المتحدة، وسط مخاوف قضائية من الضغط المتزايد على المحاكم والسجون العراقية.
الضغط على الدول لتسلم رعاياها
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي محمد الفاتح ، إن “عناصر “داعش” في السجون العراقية الآن ينحدرون من دول طلب منها سابقاً، سواء من قبل قوات سوريا الديمقراطية، أو التحالف الدولي، استعادتهم لكنها لم تستجب، ما يعني أن العراق تورط اليوم في تسلمهم أو فرض عليه هذا المسار تحت ضغط الوقائع الميدانية والتفاهمات الدولية”.
قنابل موقوتة
وأضاف الفاتح، أن “هؤلاء العناصر يشكلون قنابل موقوتة مؤجلة الانفجار، لأنهم يحملون فكراً متطرفاً عابراً للحدود، كما تحاول الدول الغربية النأي بنفسها عن تبعاتهم القانونية والأمنية، تاركةً العراق في واجهة المشهد”.
وأشار إلى أن “استمرار هذا الواقع قد يبقي العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ويضع مستقبله أمام احتمالات مفتوحة، قد تتحدد ملامحها لاحقاً وفق توجهات الفاعلين الإقليميين وحساباتهم في المنطقة”.
مطالبات عراقية متكررة
وتكررت هذه المطالبات على لسان عدد من المسؤولين العراقيين، سواء من قبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أو مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، الذين شددوا في مناسبات متعددة على أن العراق لا يمكن أن يتحمل بمفرده أعباء ملف دولي معقد، يتطلب تعاوناً جماعياً من الدول المعنية.
كذلك أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن وجود عناصر “داعش” الأجانب في العراق سيكون مؤقتاً.
مشدداً على ضرورة أن تعيد الدول مواطنيها لمحاكمتهم في بلدانهم.
المحاكمات في العراق
من جانبه، قدّم المستشار العسكري العراقي السابق صفاء الأعسم قراءة مختلفة لطبيعة الملف، إن “نسبة كبيرة من هؤلاء أصلاً عراقيون أو مرتبطون بعراقيات وفق القانون، ومن تلطخت أيديهم بدماء العراقيين سيحاكم داخل العراق وتُنفذ الأحكام بحقه وفق القانون العراقي، بما في ذلك عقوبة الإعدام”.
وأضاف أن “من لم تثبت عليه جرائم داخل العراق ولا توجد بحقه تهم، فليس للعراق مصلحة في الاحتفاظ به، ويمكن إبعاده أو تسليمه وفق الأطر القانونية”.
مشيراً إلى أن “الخطر الأكبر يتمثل في احتمالات معتقلي داعش في ظل الفوضى هناك”، وفق تعبيره.
ولطالما طالبت قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي الدول الأوروبية باستعادة رعاياها من مخيمات وسجون شمال شرقي سوريا، إلا أن الاستجابة بقيت محدودة للغاية، بسبب حساسية الملف داخلياً في تلك الدول، ولا سيما في ظل رفض شعبي لاستقبال عناصر انضموا إلى تنظيم مصنف إرهابياً.
ومع انتقال جزء من هذا العبء إلى العراق، برزت تساؤلات عما إذا كانت العواصم الغربية ستغير موقفها تحت ضغط التنسيق الأمريكي – العراقي، أم أن بغداد ستجد نفسها أمام معضلة مزدوجة، بين ضغوط حقوقية ترفض تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأجانب، وضغوط أمنية داخلية تحتم التعامل الصارم مع من تصفهم السلطات بـ”القنابل الموقوتة”.

