شفقنا العراق-إطلاق العيارات النارية يكشف عن إشكالية أعمق من مجرد مخالفة قانونية كاشفاً تصادماً بين موروث اجتماعي يربط السلاح بمظاهر القوة والفرح، وبين دولة تربد ترسيخ سيادة القانون وحماية الحق في الحياة.
في كل مناسبة فرح، من عرسٍ إلى نجاحٍ دراسي، تتحول سماء بعض المدن العراقية إلى ساحة إطلاق نار، في مشهد بات مألوفاً وخطيراً في آنٍ واحد.. رصاصات تطلق ابتهاجاً، لكنها لا تعود إلى الأرض فرحاً، بل تسقط على أجساد أبرياء، لتتحول لحظة الاحتفال إلى مأتم، وسعادة العائلة إلى فاجعة، كان آخرها مقتل طفل بطلق ناري طائش في السماوة.
خلال السنوات الأخيرة، سجلت المستشفيات العراقية عشرات الحالات لإصابات ووفيات ناتجة عن العيارات النارية العشوائية، كان من بينها أطفال ونساء وشيوخ، لم يكن لهم أي ذنب سوى وجودهم في المكان والوقت الخطأ.
تداعياتٌ نفسيَّة
إن هذه الطلقات لا تسقط في الفراغ، بل تعود لتخترق أجسادًا بريئة، وغالبًا ما يكون الضحية طفلًا، وخلف كل طفل يفقد حياته، تقف عائلة مكلومة تصارع جرحًا لا يندمل، وتواجه آثارًا نفسية واجتماعية تمتد لسنوات طويلة، وفقاً للإخصائية النفسية الدكتورة بتول عيسى.
وتقول عيسى أن “فقدان الطفل نتيجة رصاصة طائشة يعد من أقسى أشكال الصدمات النفسية، إذ يأتي الموت مفاجئًا وعنيفًا وخارج أي سياق منطقي، إذ يعيش الوالدان حالة من الذهول والإنكار، ترافقها أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مثل الكوابيس المتكررة، واسترجاع مشاهد الحادث، ونوبات القلق الحاد”.
مؤكدة انه “ومع غياب التدخل النفسي المتخصص، تتحول الصدمة إلى حالة مزمنة تعيق القدرة على ممارسة الحياة الطبيعية”.
وأشارت عيسى إلى أن الألم يتفاقم لدى العائلات مع شعور قاسٍ بالذنب، إذ يبدأ الوالدان بمراجعة تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الفاجعة، متسائلين عمّا كان يمكن فعله لتجنّبها، لافتة إلى أن هذا الذنب غير الواقعي غالبًا ما يقود إلى اكتئاب عميق، خاصة لدى الأمهات، ويضاعف من حدّة الحزن بدل أن يخففه مرور الزمن.
وأوضحت أن الأثر النفسي لا يتوقف عند الوالدين، بل يمتد ليطال البنية النفسية للأسرة بأكملها، وتختلف طرق التعبير عن الحزن بين أفراد العائلة، ما يولّد توترًا وخلافات داخلية، وقد يصل في بعض الحالات إلى التفكك الأسري، أما الإخوة، فيعيشون حالة خوف دائم من الموت، وتظهر لديهم اضطرابات سلوكية، وتراجع دراسي، وشعور مستمر بعدم الأمان.
العائلات الثكلى
وأردفت عيسى أن العائلات الثكلى تميل إلى الانسحاب من محيطها، هربًا من نظرات الشفقة أو الأسئلة المؤلمة، وفي مجتمعات يبرَّر فيها هذا السلوك تحت مسميات “الفرح” أو “العادات”، تشعر الأسرة بغياب العدالة وبنوع من التطبيع مع الجريمة، ما يؤدي إلى تآكل الثقة بالمحيط الاجتماعي، وبمؤسسات الدولة المعنية بالحماية والمساءلة.
كما أكدت أن “هذه الحوادث لا تمثل خسارة فردية فحسب، بل تكشف عن أزمة مجتمعية عميقة، حيث يتحول العنف إلى سلوك مقبول، ويستهان بحق الحياة، ولا سيما حياة الأطفال”.
ثم بينت إن ‘استمرار هذه الظاهرة دون ردع قانوني حازم أو وعي مجتمعي جاد يعني إنتاج المزيد من العائلات المفجوعة، والمزيد من الأطفال الذين يدفعون ثمنًا لم يختاروه”.
وختمت عيسى حديثها بالقول: “إن الحد من إطلاق العيارات النارية مسؤولية مشتركة تبدأ من الوعي المجتمعي، ولا تنتهي عند تطبيق القوانين الرادعة، فالرصاصة التي تطلق بدافع الفرح قد تعود مأتمًا طويل الأمد، وتترك خلفها عائلة تعيش حدادًا لا زمن له”.
الموروث القبلي
وفي سياق متصل، أكد المختص في علم الاجتماع الدكتور حسن حمدان هاشم، أن ظاهرة إطلاق النار في المناسبات تعد تعبيرًا سلبيًا عن المشاعر، ولا تقتصر على العراق وحده، بل تمتد لتشمل عددًا من الدول العربية والأجنبية.
وأوضح أن هذه الممارسة تبرز بوضوح في دول عربية مثل الأردن ولبنان واليمن وفلسطين، كما تنتشر عالميًا في دول مثل باكستان وأفغانستان ودول البلقان (صربيا وألبانيا)، إضافة إلى المكسيك وتركيا والجبل الأسود وغيرها، حيث ترتبط في الغالب بالموروث القبلي أو التقاليد الريفية.
وبيّن أن استمرار هذه الظاهرة يشكل خطرًا حقيقيًا على الأرواح والممتلكات، نتيجة ما يعرف بالرصاص الطائش الذي يتحول إلى مقذوفات قاتلة عند سقوطه، ما يستدعي اعتماد معالجات شاملة وجدية للحد منها.
وأشار هاشم إلى أن مواجهة الظاهرة تتطلب تطبيقًا صارمًا للتشريعات التي تجرّم إطلاق النار في المناسبات، مع فرض عقوبات مغلّظة تشمل السجن والغرامات المالية الكبيرة بحق المخالفين.
كما شدد على أهمية ترسيخ الوعي المجتمعي عبر إطلاق حملات إعلامية متواصلة تبرز مخاطر هذه الممارسة وتداعياتها الإنسانية والقانونية.
وأضاف أن الردع الديني والمجتمعي يمثل ركيزة أساسية في الحد من الظاهرة، من طريق الفتاوى الدينية التي تحرّم إطلاق النار في المناسبات، وفرض غرامات مالية على مرتكبيها تعادل دية القتل، فضلًا عن توقيع وثائق شرف بين القبائل والعشائر للتبرؤ من مرتكبي هذه الأفعال ومقاطعة مناسباتهم.

