شفقنا العراق-ارتفاع الأسعار يفرض سؤالاً ملحاً مع اقتراب رمضان: هل تستطيع الحكومة تحقيق توازن بين تعظيم الإيرادات غير النفطية وصون استقرار السوق؟
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث تتزايد احتياجات الأسر العراقية ويتضاعف الإنفاق على الغذاء ومتطلبات المائدة، تشهد الأسواق موجة ارتفاع في الأسعار اثارت قلقاً واسعاً، رغم تطمينات حكومية أكدت أن زيادة التعرفة الجمركية والضرائب لم تشمل المواد الغذائية.
إلا أن الواقع الميداني يظهر حالة من الارتباك وعدم الاستقرار السعري، ما أثر مباشرة على نفسية أصحاب الدخل المحدود الذين يترقبون الشهر الفضيل بقلق يفوق قدرتهم على الاحتمال.
اقتصادياً، لا تظل أي زيادة في الرسوم أو الضرائب حبيسة القرارات الرسمية، بل تنتقل سريعاً إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، وبما أن غالبية السلع المتداولة في السوق العراقية مستوردة، فإن أثر هذه الإجراءات يكون واسع النطاق، ليطال المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية على حد سواء، وهنا تتجلى الإشكالية في توقيت التطبيق وآلياته، لا في مبدأ تنويع الإيرادات ذاته، الذي يعد خطوة ضرورية لاقتصاد يعتمد بصورة شبه كلية على النفط.
تطبيق نظام الأسيكودا في المنافذ الحدودية، رغم أهميته في تنظيم العمل الجمركي وتعزيز الشفافية، ترافق مع حالة من الضبابية في السوق، لا سيما مع تكدس البضائع في بعض المنافذ، ما خلق بيئة خِصْبة للمضاربات ورفع الأسعار، وبين القرار وتداعياته، يجد المواطن نفسه أمام مشهد اقتصادي معقد لا يرى منه سوى نتيجة واحدة وهي الغلاء.
حزمة إجراءات متكاملة
مختصون يرون أن” المرحلة تتطلب حزمة إجراءات متكاملة توازن بين البعد الاقتصادي والاجتماعي، تبدأ بمراجعة الضرائب والرسوم بما لا يحمِّل المواد الأساسية كلفاً إضافية تمس الحياة اليومية للمواطن، أو تعويض آثارها عبر دعم موجَّه وتخفيضات انتقائية في السلع الأكثر استهلاكاً خلال رمضان.
كما يشددون على ضرورة تعزيز الرقابة على الأسواق، وتفعيل دور الأجهزة المعنية في ضبط هوامش الربح، ووضع سقوف سعرية مؤقتة للمواد الحساسة، إلى جانب تشجيع ثقافة الإبلاغ عن المخالفات”.
في السياق ذاته، يبرز ملف الحماية الاجتماعية بوصفه خط الدفاع الأول عن الفئات الهشة، من طريق توسيع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم النقدي والغذائي، وتحسين مفردات البطاقة التموينية نوعاً وكمّاً، لتخفيف الضغط عن ذوي الدخل المحدود.
كما تتعالى الدعوات لمناقشة سياسة سعر الصرف بشفافية أكبر، وربط القرارات المالية بخطط زمنية واضحة المعالم، تشرح للمواطن طبيعة الإجراءات ومدتها والعوائد المرجوة منها.
وفي ذات السياق أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء الشريفي أن ”قرارات الحكومة المتعلقة برفع التعرفة الجمركية وزيادة بعض الضرائب جاءت، حسب وصفه، دون دراسة كافية، معتبراً أنها اتسمت بالارتجال لغياب الآليات الواضحة القادرة على ضبط إيقاع السوق ومنع انعكاسها المباشر على الأسعار”.
إعداد بيئة مناسبة
وأوضح الشريفي أن، ”أي قرار مالي أو ضريبي ينبغي أن يسبقه إعداد بيئة مناسبة لتطبيقه، تتضمن إجراءات رقابية صارمة تضمن السيطرة على الأسواق ومنع المضاربات وارتفاع الأرباح”، مشيراً إلى أن “إصدار القرارات دون توفير هذه الأرضية يفضي إلى تحميل المواطن البسيط كلفتها النهائية”.
كما شدد الشريفي على أن ”الإصلاحات الاقتصادية، مهما كانت ضرورية، يجب أن تراعي البعد الاجتماعي وتحمي القوة الشرائية للطبقات محدودة الدخل”، مؤكداً أن “نجاح أي سياسة مالية يقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين زيادة الإيرادات وعدم المساس بقوت المواطنين”.
وفي ظل هذا المشهد، يظل السؤال مفتوحاً هل تستطيع الحكومة تحقيق توازن دقيق بين تعظيم الإيرادات غير النفطية والحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية؟ أم أن المواطن سيظل عالقاً بين مطرقة القرارات الإصلاحية وسندان الغلاء، في موسم يفترض أن يكون شهر رحمة وتكافل.

