شفقنا العراق-رغم زيادة الاستثمارات في العراق، تواجه البيئة الاستثمارية تحديات كبيرة تتمثل في القوانين غير المُفعّلة التي تحد من دخول الشركات الدولية.
على هامش فعاليات معرض بغداد الدولي، شهدت العاصمة بغداد، انطلاق أعمال منتدى الأعمال الدولي، بمشاركة ممثلي الجهات الحكومية والقطاع المصرفي والمؤسسات الدولية، إلى جانب قيادات القطاع الخاص، لمناقشة فرص الاستثمار والتسهيلات المقدمة للشركات الأجنبية في العراق.
وخلال الجلسة الافتتاحية، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار، حيدر محمد مكية، ارتفاع إجمالي حجم الاستثمارات في العراق إلى 104 مليارات دولار، موزعة بواقع 67 مليار دولار استثمارات أجنبية و37 مليار دولار استثمارات محلية، بزيادة ملياري دولار خلال الأشهر الأربعة الماضية، في مؤشر يعكس تنامي ثقة المستثمرين وانتقال المشهد الاستثماري إلى مرحلة أكثر استقراراً ونضجاً.
بيئة العراق الاستثمارية
وبشأن المنتدى، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء، د. مظهر محمد صالح: إن البيئة الاستثمارية في العراق ما تزال تعاني من وجود قوانين غير مفعَّلة وراكدة داخل هيكل الاقتصاد، مبيناً أنها تشكل عاملاً طارداً للاستثمار وتحدُّ من فرص جذب الشركات الأجنبية.
وأضاف صالح، أنه سبق لمنظمات دولية أن قدمت تصوراتها في فترات سابقة، لمعالجة هذه الإشكاليات على وفق مفاصل تشريعية واضحة، لافتاً إلى أن تفعيل أو تعديل قانون واحد فقط داخل مجلس النواب يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً في واقع الأداء الاقتصادي.
وأكد أن إصلاح هذه القوانين من شأنه أن يحول العراق إلى سوق جاذبة للشركات الدولية المالكة للتكنولوجيا ورؤوس الأموال، مشدداً على أهمية الدور التشريعي لمجلس النواب في تهيئة بيئة مستقرة ومحفِّزة للاستثمار والتنمية الاقتصادية.
جهود خلف النجاح
رئيس مجلس إدارة غرفة التجارة الأميركية العربية، ديفيد حمود، أثنى على الجهود الكبيرة والمتضافرة التي وقفت خلف النجاح الذي حققه معرض بغداد، معرباً عن فخره بالتواجد في هذا الحدث الاقتصادي الذي يقام على أرض تحمل عمقاً تاريخياً وحضارياً بعيداً.
وأوضح حمود، أن تمثيل الغرفة للقطاع الخاص الأميركي ينطلق من قناعة بأن رأس المال يبحث دائماً عن الفرص الآمنة، مؤكداً أن الأمن وسيادة القانون يشكلان أساساً لأي استثمار ناجح.
وأضاف أن هذه المشاركة تسهم في نقل صورة جديدة وإيجابية عن العراق بعد التحولات التي شهدها في الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تضم ولايات متخصصة في مجالات اقتصادية مختلفة.
وأكد أن عدداً متزايداً من رجال الأعمال الأميركيين يبدون رغبة حقيقية في العمل داخل السوق العراقية، لافتاً إلى أن الغرفة تعمل على ربط هذه الفرص وتحقيق شراكات تخدم مصالح الجانبين.
المعايير الدولية
بينما رأت ممثلة مركز التجارة الدولي، ديفكا راجيف، أن مسار الإصلاح في العراق يسير باتجاه التوافق مع المعايير الدولية في مختلف القطاعات والمفاصل الاقتصادية، موضحة أن هذا التوجه يشكل أساساً مهماً لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار.
وبينت راجيف، أن العراق حقق خطوات متقدمة ومهمة على طريق الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية ما يظهر جدية المؤسسات الحكومية في تحديث الأنظمة الاقتصادية والتجارية ومواءمتها مع المتطلبات الدولية، لافتة إلى أن هيئة الاستثمار تضطلع بدور فاعل في تشجيع الاستثمار، بواسطة مراجعة القوانين والتشريعات النافذة والتدخل لتطويرها، بما ينسجم مع احتياجات الشركات الدولية ويسهم في تهيئة بيئة جاذبة ومستقرة للاستثمارات الأجنبية.
أتمتة العمل الجمركي
أما مدير عام الهيئة العامة للجمارك العراقية، د. ثامر قاسم داود، فنبه إلى أن اعتماد الأتمتة في العمل الجمركي أسهم بشكل كبير في خدمة الشركات الاستثمارية العاملة في العراق، من طريق تسهيل الإجراءات وتسريع إنجاز المعاملات، مؤكداً أن جميع المنافذ الحدودية أصبحت مؤتمتة بالكامل، مع اعتماد الأنظمة الإلكترونية في تسجيل العمل الجمركي.
وقال داود: إن عمليتي التخليص الجمركي والدفع تتمان إلكترونياً وفق أنظمة حديثة أبرزها نظام الأسيكودا، بما يضمن الشفافية والدقة، مشدداً على أن الهيئة تمنع أي إعفاءات غير قانونية بالتعاون مع الجهات المختصة.
وأضاف أن الموافقات تصدر خلال لحظات عند استكمال المتطلبات، مبيناً أن القانون العراقي يعدُّ من أفضل القوانين الداعمة لقطاع الاستثمار.
أطراف المدن الكبرى
على صعيد ذي صلة، قال د. محمد حسن السيد، ممثل وزارة التخطيط، إن الوزارة تتجه حالياً صوب أطراف المدن الكبرى لتهيئة مساحات مخصصة للاستثمارات، مبيناً أنها خطوة تهدف إلى جذب المستثمرين وتخفيف الضغط عن مراكز المدن.
وأشار السيد، إلى أن هذا التوجه يأتي ضمن خطة متكاملة لتهيئة مناخ استثماري مناسب يحقق الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، موضحاً إلى أن الوزاره تشجع الاستثمار في المحافظات عبر إنشاء مدن اقتصادية وصناعية في المناطق الواقعة خارج المدن، لما لها من دور في دعم المشاريع الاقتصادية المستقبلية.
وأضاف أن هذه المدن ستسهم في التنمية وإعادة التصدير، مؤكداً أن الهدف الأساسي تحقيق التكامل بين القطاعين العام والخاص.
معطيات دولية
في حين ذكر رئيس فرع غرفة التجارة الدولية في العراق، محسن الحميد، أن الغرفة تعمل على تشجيع دخول الشركات الأجنبية إلى السوق العراقية، بالاعتماد على ثلاثة معطيات دولية تسهم في تهيئة بيئة عمل آمنة وجاذبة للاستثمار، موضحاً أن من أبرز هذه المعطيات مركز التحكيم الدولي، الذي يضمن حفظ حقوق جميع الأطراف العاملة ويعزز الثقة في التعاملات التجارية والاستثمارية.
وقال الحميد: إن الغرفة تمتلك منصة خاصة للتواصل المباشر مع الشركات العالمية، تهدف إلى تسهيل الشراكات وبناء قنوات تعاون فعالة بين القطاع الخاص العراقي ونظيره الدولي، بما يدعم حركة الاستثمار ويعزز حضور الشركات الأجنبية في العراق.
تطوير العمل المصرفي
إلى ذلك، لفت ممثل البنك المركزي العراقي، أحمد داور سلمان، إلى أن البنك حقق إنجازاً مهماً على الصعيد المالي من خلال تعزيز علاقاته مع عدد من المؤسسات والجهات العالمية، مؤكداً أن هذا الأمر أسهم في تطوير العمل المصرفي ورفع مستوى الثقة الدولية بالقطاع المالي العراقي.
وأضاف سلمان، أن إجراءات الحوالات المالية تشهد انسيابية أعلى من حيث السلامة ودقة عمليات التحويل، ما شجع مصارف عالمية وبنوكاً دولية على إبداء رغبتها بالتواجد والعمل داخل العراق، مضيفاً أن حالات تأخر الحوالات تعود في الغالب إلى نقص بعض متطلبات التدقيق، فالبنك المركزي حريص على الالتزام بالمعايير الدولية لضمان الشفافية والاستقرار المالي.
رؤى منفتحة
في غضون ذلك، عدَّ الخبير الاقتصادي، خالد الجابري، المؤتمر بأنه فرصة للقاء بين القنوات الاقتصادية العراقية التجارية الرسمية «هيئة الجمارك، الضرائب، مسجل الشركات، البنك المركزي، وبعض المصارف»، بهدف إيضاح قوة التحسينات خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة على النشاط الاقتصادي.
وتابع الجابري، أن التحسينات جيدة بشكل عام، مستدركاً أن الطريق مازال طويلاً لمواصلة الإصلاحات الضرورية.
وأشار إلى أن الاقتصاد العراقي يعاني من بنية هشَّة وبحاجة إلى مجموعة من التشريعات والتعديلات، موضحاً أن البلد تغير نظامه السياسي بعد عام 2003، لكن نظامه الإداري لم يتغير ما سبب اشتباكاً بين النظام السياسي الديمقراطي وتعدد سلطات القرار من برلمان إلى قضاء إلى بنك مركزي إلى سياسة نقدية.
وأضاف، أن الرؤى المنفتحة لا تنسجم مع الرؤية الشمولية التي كتبت بها القوانين الإدارية والاقتصادية قبل 2003، ما ترك تشوهاً جوهرياً وأثر بشكل سلبي في الحركة الاقتصادية وولد اشتباكاً مستمراً بين القطاع الخاص العراقي الذي يعمل باقتصاد السوق ومنهجيته وبين القوانين التي تعمل بالنظام الشمولي المركزي.
انفتاح على العالم
نضال شرعان، ممثل الجناح السعودي أكد أن الانطباع الذي تكون لدى الوفد يؤكد أن العراق يمتلك رغبة حقيقية في الانفتاح على العالم.
وبين أن هذا التوجه يمكن أن يشكل نقطة انطلاق فعلية نحو تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
وذكر أن المشاركة في معرض بغداد الدولي أتاحت فرص مهمة للتواصل المباشر مع الجهات المعنية، كاشفاً عن وجود عدة تفاهمات جرى بحثها مع ممثلي القطاع الخاص العراقي، تمهيداً للتعاون المستقبلي وبناء شراكات تخدم المصالح المشتركة.

