شفقنا العراق-إدارة الملف العراقي قد تكون تحت إشراف توم باراك بداية لمرحلة جديدة من التعامل الأمريكي مع العراق. ولكن، هل سيؤدي هذا التغيير إلى تغيرات حقيقية في سياسات واشنطن تجاه العراق؟
يثير انتقال إدارة الملف العراقي إلى شخصية ترتبط عملياً بملفات سوريا ولبنان، مثل توم باراك، تساؤلات تتجاوز حدود التغيير البروتوكولي، إذ يوحي هذا الربط بأن واشنطن تعيد النظر في طريقة قراءة المشهد العراقي، بوصفه جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها الساحات، وليس كملف مستقل بمعزل عن سياق المنطقة وتحولاتها المتسارعة.
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية صفاء الأعسم، إن “نجاح باراك في إدارة ملف قسد والحكومة السورية، يمنحه خبرة عملية كافية للتعامل مع تعقيدات الملف العراقي، مع التأكيد على أن الجدل الدائر حول اسم المبعوث لا يمثل جوهر المسألة، بقدر ما يرتبط بطبيعة الرسالة الأمريكية المتجهة إلى بغداد، وشكل التعامل المتوقع مع الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة”.
وفي مقاربة أوسع، يعتبر الأعسم، أن “واشنطن تتعامل مع العراق عبر قنوات مباشرة بغض النظر عن الشخصية المكلفة بإدارة الملف، في وقت يؤشر فيه الدور المتنامي لباراك في سوريا ولبنان، ولقاءاته مع أطراف إقليمية وعراقية، اتساع نطاق تأثيره في ملفات تفاوضية مترابطة على مستوى المنطقة، بما يجعل حضوره جزءاً من سياق إقليمي أشمل، لا يقتصر على الساحة العراقية وحدها”.
إنهاء مهمة مارك سافايا
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن السياسي اثير الشرع، أن “إنهاء مهمة مارك صوايا لا يعني تغيير شخص بقدر ما يعني إغلاق مرحلة أمريكية كاملة، كانت تقوم على إدارة التهدئة والاحتواء، والانتقال إلى مقاربة مختلفة تدار فيها الساحة العراقية بأدوات سياسية واقتصادية طويلة الأمد”.
ويعتقد الشرع، أن “اختيار توم باراك يؤشر توجهاً أمريكياً لإعادة صياغة النفوذ داخل العراق بهدوء، عبر تفكيك البنى الأكثر تشدداً، واستخدام الاقتصاد بوصفه أداة ضغط أساسية، مع التحضير المبكر لإعادة ترتيب المشهد السياسي قبيل الاستحقاقات المقبلة”.
كما توقع أن “يستخدم باراك الأدوات الاقتصادية كوسيلة ضغط أساسية، من بينها ملفات الطاقة، والمصارف، والدولار، إلى جانب السعي لتحجيم النفوذ الإيراني تدريجياً دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة”.
من جهته، يؤكد الباحث والأكاديمي الناصر دريد، أن “تحركات توم باراك تتم ضمن تنسيق واضح مع تركيا، وتحظى بقبول لدى الإدارة التركية الحالية، وهو ما انعكس على السياسة الأمريكية الداعمة للحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، إلى جانب تصدر الملف السوري أولويات واشنطن الإقليمية بعد ملفي غزة وإيران، في سياق يؤشر ثقلاً متزايداً لهذا المسار داخل الحسابات الأمريكية”.
تقاطع مصالح
ويضيف دريد، أن “هذا التوجه لا يرتبط بشخص باراك وحده، بل يأتي نتيجة تقاطع مصالح تركية وقطرية وسعودية، أسهمت مجتمعة في رفع مكانة الملف السوري داخل دوائر القرار في واشنطن، وهو ما ينعكس تلقائياً على الساحة العراقية، حيث يتوقع تصاعد الحضور التركي في إدارة هذا الملف عبر بوابة باراك، مقابل تراجع دور شخصيات كانت تقدم سابقاً بوصفها قنوات تواصل مميزة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”.
ثم يبين أن “انتهاء مهمة سافايا، أغلق بشكل رسمي الحديث عن وجود أفضلية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لدى واشنطن، كما أعاد الملف العراقي إلى دائرة الترقب داخل الإدارة الأمريكية، مع احتمالات مفتوحة تشمل إعادة النظر بآلية التمثيل الدبلوماسي، أو تعيين سفير من خارج المؤسسة التقليدية، في ظل نمط سبق اعتماده في دول أخرى، ما يعزز فرضية عودة العراق ليدار ضمن مشهد إقليمي أوسع، تحكمه أولويات متشابكة أكثر من اعتبارات محلية منفصلة”.

