شفقنا العراق-الالتزامات التعاقدية التي أبرمها العراق خلال السنوات الثلاث الماضية، بقيم تتراوح بين 200 و300 تريليون دينار، باتت مصدر قلق اقتصادي متصاعد، مع تفاقم شح السيولة وتصاعد أزمة مستحقات المقاولين، ما ينذر بتداعيات خطيرة على الاستقرار المالي وسوق العمل.
تشير تقديرات نيابية واقتصادية إلى أن العراق أبرم، خلال السنوات الثلاث الماضية، التزامات تعاقدية ضخمة تراوح قيمتها بين 200 و300 تريليون دينار، توزعت على مشاريع وخدمات تمتد لعدة أعوام وفي قطاعات مختلفة.
هذه الالتزامات وقّعت في فترة وفرة مالية نسبية، لكنها تحولت اليوم إلى عبء ثقيل مع تفاقم شح السيولة، ولا سيما مع تصاعد أزمة مستحقات المقاولين.
رئيس اتحاد المقاولين العراقيين، علي السنافي، أوضح أن رقم 200 تريليون دينار لا يمثل ديوناً واجبة السداد حالياً، بل يظهر إجمالي الالتزامات التعاقدية لجميع المشاريع المحالة، والتي تنفذ على مراحل وتمتد لسنوات.
وأكد أن «المستحقات الواجبة الدفع فعلياً للمقاولين لا تتجاوز نحو 30 تريليون دينار»، موزعة بين الموازنتين الاستثمارية والتشغيلية.
منتصف عام 2022
من جانبه، بيّن أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، نبيل المرسومي، أن الالتزامات التعاقدية، وفق ما أعلنه اتحاد المقاولين، تبلغ نحو 200 تريليون دينار، وبدأت بالتراكم منذ منتصف عام 2022 تقريباً.
وأشار إلى أنها تشمل عقوداً وخدمات وأعمال صيانة تنفذها شركات متعاقدة مع الحكومة، مؤكداً أنها «لا تُعد ديوناً واجبة الدفع في الوقت الحالي».
وأوضح المرسومي، أن هذه العقود ستتحول تدريجياً إلى مستحقات واجبة السداد خلال السنوات المقبلة، تبعاً لمراحل التنفيذ ونسب الإنجاز، محذراً من أن غياب التخطيط المالي المتوسط المدى قد يحوّل هذه الالتزامات إلى عبء ثقيل على الموازنات اللاحقة، خاصة في ظل شح السيولة وتقلب الإيرادات.
وبسبب هذه التعاقدات، تفجر خلاف مفتوح بين وزارة المالية والمقاولين المطالبين بصرف مستحقاتهم، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع على قطاع يعد من أكبر مشغلي اليد العاملة في البلاد، وقد يتحول إلى بؤرة ركود إذا استمرت فجوة السيولة وغابت آليات السداد الواضحة.
سندات وحوالات خزينة
ويكمن الفرق بين الالتزامات التعاقدية والديون الداخلية في طبيعة الاستحقاق والزمن المالي. فالديون الداخلية، المقدّرة بنحو 90 تريليون دينار، تمثل أموالاً اقترضتها الحكومة فعلياً عبر سندات وحوالات خزينة وقروض داخلية، وهي ديون مثبتة في الحسابات الرسمية وواجبة السداد وفق جداول زمنية محددة، وتشكل جزءاً من الدين العام.
في المقابل، فإن الالتزامات التعاقدية، المقدّرة بين 200 و300 تريليون دينار، لا تعد ديوناً مستحقة الدفع حالياً، بل تمثل القيمة الإجمالية لعقود ومشاريع أبرمت وتنفذ على مراحل تمتد سنوات، ولا تتحول إلى ديون فعلية إلا عند إنجاز مراحل محددة واستحقاق الدفعات، ما يجعلها عبئاً مؤجلاً قد يضغط على الموازنات المستقبلية في حال غياب التخطيط المالي الكفوء.
وحسب اتحاد المقاولين العراقيين، فإن الحكومة مدينة للمقاولين بنحو 30 تريليون دينار لم تصرف حتى الآن. وكان الاتحاد قد أعلن في كانون الأول الماضي أن المقاولين «يتعرضون للظلم من قبل الحكومة والجهات الحكومية التي تعاقدوا معها»، مؤكداً أن مستحقاتهم لم تصرف وأنهم «تركوا لمواجهة الديون والدعاوى والمحاكم». ويربط الاتحاد هذا الخلاف بشح السيولة النقدية، وتأخر إطلاق التخصيصات، وتداخل الصلاحيات بين الوزارات المعنية بالصرف.
ديون المقاولين والشركات
وفي هذا السياق، قال النائب السابق رائد المالكي في وقت سابق إن ديون المقاولين والشركات، قياساً بحجم المشاريع المحالة في عهد الحكومة الحالية، تبلغ نحو 200 تريليون دينار.
في المقابل، قدّم النائب السابق محمد نوري العبدربه تقديرات أعلى، مشيراً إلى أن الوزارات العراقية مطلوبة بمبالغ قد تصل إلى 320 تريليون دينار، تمثل تعاقدات أبرمت من دون توفر سيولة كافية، ما أدى إلى تسديدات جزئية لا تتجاوز 2 إلى 3 في المئة من قيمة بعض العقود، وتوقف عدد كبير من المشاريع لغياب التخصيص المالي الفعلي.
هذا التباين في الأرقام دفع مختصين اقتصاديين إلى التشكيك بها والمطالبة بنشر بيانات رسمية دقيقة. إذ قال الخبير الاقتصادي منار العبيدي إن هذه الأرقام «كبيرة وتحتاج إلى مراجعة وتدقيق»،
مؤكداً أن العراق يفتقر إلى نظام تعاقدي واضح وقاعدة بيانات شفافة تحدد بدقة حجم الالتزامات والمستحقات، محذراً من أن صحة هذه الأرقام تعني مبالغ هائلة كان يمكن توجيهها لتنفيذ مشاريع كبرى.
ضربة لليد العاملة
على أرض الواقع، يؤكد مقاولون أن التأخير المستمر في صرف المستحقات لم ينعكس على الشركات وحدها، بل طال اليد العاملة المرتبطة بقطاع المقاولات، مع توقف أو تباطؤ عدد كبير من المشاريع، وتأخر دفع الأجور، وتقليص فرص العمل اليومية، ما وضع آلاف الأسر تحت ضغوط معيشية متزايدة.
وفي هذا الإطار، قال رجل الأعمال سالم السويدي إن أغلب الأعمال «متوقفة أو متعثرة»، ما أثر بشكل مباشر على العمال.
وأوضح، أن الحكومة كان ينبغي ألا تحمّل الدولة والجهات المتعاقدة والشركات والمواطنين تبعات تعاقدات لا تتوفر لها سيولة فعلية.
كما لفت إلى أن بعض المقاولين يطالبون بمستحقاتهم منذ أكثر من عام من دون جدول زمني واضح للصرف، ما دفع شركات إلى تقليص أعمالها أو إيقافها بالكامل، مع ما رافق ذلك من خسائر وضغوط على العاملين.
وفي ظل هذا الغموض، تتحفظ معظم الوزارات العراقية على الإفصاح عن حجم المديونية أو الالتزامات التعاقدية التي أبرمتها، باستثناء وزارة الإعمار والإسكان، التي أعلن وزيرها بنكين ريكاني أن وزارته مدينة بنحو 3 تريليونات دينار للمقاولين، ما يكرس حالة عدم الوضوح بشأن الحجم الحقيقي للالتزامات المترتبة على الدولة.

