شفقنا العراق-الطاقة الشمسية تطرح اليوم كحل بديل لأزمة الكهرباء، لكنها تواجه تساؤلات جوهرية تتعلق بارتفاع كلف المنظومات، وضعف الثقافة المجتمعية، وبطء التحول المؤسسي، رغم القروض الحكومية والمشاريع المعلنة لإنتاج آلاف الميغاواطات خلال السنوات المقبلة.
يحاول العراق بجهد كبير إلى التحول نحو الطاقة النظيفة، ولا سيما الطاقة الشمسية، بهدف إنتاج كميات تعوّض النقص الكبير في منظومة الكهرباء، إضافة إلى تقليل الإنفاق على شراء الغاز المستخدم في تشغيل محطات التوليد، فضلاً عن مواجهة التلوث الناجم عن عمليات إنتاج الطاقة.
وخلال الأعوام الماضية، ازداد توجه العراقيين نحو استخدام منظومات الطاقة الشمسية، فيما عملت الحكومة على دعم الراغبين في شرائها عبر توفير قروض مالية.
وأعلن البنك المركزي العراقي أخيراً منح قروض بقيمة 6 مليارات دينار لشراء منظومات الطاقة الشمسية. وقالت مديرة المبادرات في البنك المركزي رفل حسين إن “قلة الإقبال على مصادر الطاقة النظيفة تعود إلى ضعف الوعي المجتمعي، مؤكدة ضرورة العمل على عدة محاور لتعزيز ثقافة التحول نحو مصادر الطاقة البديلة”.
مصادر الطاقة النظيفة
وأضافت أن “العراق ملزم بالتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة بما ينسجم مع مقررات باريس للفترة 2020 ـ 2030، مشيرة إلى أن البنك المركزي عدّل منتصف العام الماضي بعض الضوابط لتسهيل عمل المصارف في منح القروض”.
وأوضحت أن “التمويل لشراء ألواح الطاقة الشمسية ما زال مفتوحاً لحين انتهاء التخصيص، ومن المتوقع زيادة الإقبال على القروض خلال عام 2026”.
وخلال الأسبوع الماضي، أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تحقيق أعلى معدلات الإنتاج في مجال الطاقة الكهربائية، معلناً المباشرة بمشاريع الطاقة النظيفة والمتجددة بهدف إنتاج 7500 ميغاواط من الطاقة الشمسية عبر 15 مشروعاً في عدة محافظات.
وذكر السوداني، في كلمة خلال مؤتمر العراق للطاقة 2026 في بغداد، أن حكومته حريصة على تنمية قطاع الطاقة عبر استثمار جميع الإمكانات الصناعية والاستثمارية والتنموية، مبيناً أن عام 2030 سيشهد تصدير 40% من الصادرات النفطية على شكل مشتقات عالية القيمة.
ويعاني العراق من تراجع الاستثمار وسوء الإدارة، إضافة إلى عدم قدرة الشبكة الوطنية على مواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء.
أوبك
وعلى الرغم من كونه عضواً في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، وأحد أكبر منتجي النفط في العالم، فإنه يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطاته الكهربائية، خصوصاً في الجنوب، ما يجعله عرضة للتأثر بتقلبات إمدادات الغاز من إيران.
وتزوّد إيران العراق بنحو 50 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، ما يغطي قرابة ثلث احتياجات البلاد ويكفي لإنتاج نحو 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء، إلا أن هذه الكمية لا تلبي احتياجات العراق في أوقات الذروة.
بدوره، قال محمد العيثاوي (43 عاماً) من بغداد إنه يعتمد على الألواح الشمسية منذ أكثر من عامين، حيث توفر الطاقة الكافية لتشغيل معظم الأجهزة الكهربائية في منزله، ولا تحتاج إلى صيانة مستمرة وتحتفظ بالطاقة، لكنها ما تزال مرتفعة الكلفة.
وأضاف أن البطاريات تمثل الجزء الأكثر استهلاكاً في منظومة الطاقة الشمسية، مشيراً إلى أن القروض الحكومية ساعدت في شراء المنظومات، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة لتصنيع منظومات محلية، لافتاً إلى أن معظم المنظومات المتوفرة في الأسواق مستوردة وغالية الثمن.
وزارة الكهرباء العراقية
وأكد مصدر في وزارة الكهرباء العراقية أن العراق لا يزال بحاجة إلى أكثر من 35 ميغاواط لتغطية كامل احتياجاته، موضحاً أن التوجه الحكومي يسير في مسارين؛ الأول تمكين المواطنين من شراء منظومات الطاقة الشمسية، والثاني إنشاء محطات لتوليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خصوصاً في محافظتي الأنبار والمثنى. وصرح أن الاعتماد المحلي على الطاقة الشمسية لا يزال دون المستوى المطلوب، نظراً لضعف الوعي بآليات عملها.
وسبق أن أكد مستشار رئيس الحكومة العراقية، مظهر محمد صالح، أن بلاده تتجه لتنفيذ ألف مشروع للطاقة الشمسية خلال ثلاث سنوات، مشيراً إلى أن الطاقة المتجددة ستشكل جزءاً أساسياً من مزيج الطاقة الوطني بحلول عام 2030.
وأوضح أن التحديات المناخية والاقتصادية تفرض ضرورة تنويع مصادر الطاقة، وعلى رأسها الاستثمار في الطاقة الشمسية التي تعد من أكثر الموارد توفراً في العراق.
ولفت إلى أن العراق يتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس سنوياً، وبمعدل إشعاع شمسي يتجاوز 5.5 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً في معظم المناطق، ومع ذلك لا تزال مساهمة الطاقة الشمسية في مزيج الطاقة الوطني أقل من 1%، ما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات والواقع.
شراء منظومات الطاقة الشمسية
من جانبه، أشار الخبير في شؤون الطاقة عمران الحسن إلى أن تشجيع الحكومة على شراء منظومات الطاقة الشمسية وتثبيتها عبر القروض المالية يمثل خطوة ناجحة ضمن التوجه العالمي نحو استخدام الطاقة المتجددة.
وأضاف أن هناك حاجة لتوجيه الفنادق والمعامل والمصانع الكبرى نحو اعتماد الطاقة الشمسية لتقليل الضغط عن شبكة الكهرباء الحكومية، وهو ما يمكن تحقيقه عبر تشريعات برلمانية أو تنظيمات حكومية.
وأكد أن الألواح الشمسية تتمتع بعمر افتراضي قد يصل إلى 25 عاماً، ولا تحتاج سوى إلى تنظيف دوري من الأتربة، وهو أمر يمكن للمستهلك القيام به بسهولة.
كما شدد على ضرورة اعتماد حلول مبتكرة لإدارة ملف الطاقة، من بينها إنشاء شبكات وطنية لتخزين أو بيع الفائض من الطاقة، وهو أمر يرتبط بحل مشكلة الكهرباء بشكل شامل.
ورغم هذه الجهود، لا يزال العراق يواجه تحديات كبيرة في تطوير البنية التحتية لضمان استقرار التيار الكهربائي على المدى الطويل. وتشير التقديرات إلى أن الاستثمار في الغاز المصاحب والغاز الحر، إلى جانب تعزيز قدرات الطاقة المتجددة والربط الإقليمي، يمثل مفتاح تقليل الاعتماد على استيراد الغاز الإيراني.
ومع استمرار التنسيق بين وزارتي الكهرباء والنفط والتعاون مع الشركات العالمية، يتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تحسناً تدريجياً في ساعات تجهيز الكهرباء وتقليص الفجوة بين العرض والطلب، إلى جانب خفض الأثر البيئي والتكلفة التشغيلية.

