شفقنا العراق-اللجان النيابية ما تزال رهينة التجاذبات بين الكتل السياسية، حيث أدى تأخر حسم توزيعها إلى تعطيل جانب كبير من العمل التشريعي والرقابي.
مع تعطّل قسم كبير من العمل التشريعي والرقابي داخل مجلس النواب، يعود ملفّ تشكيل اللجان النيابية الدائمة إلى الواجهة بوصفه واحداً من أهمّ العقد التي تظهر حجم التجاذب السياسي والمحاصصة الحزبية.
فغياب اللجان أو استمرار عملها بصيغة مؤقتة يعني عملياً شللاً تدريجياً لقدرة المجلس على متابعة القوانين والملفات الخدميّة والاقتصاديّة والرقابيّة، في وقت تتراكم فيه الأزمات على المستوى المعيشي والخدمي للمواطنين.
عضو مجلس النواب أحمد الشرماني، شدد على ضرورة الإسراع في تشكيل اللجان النيابية الدائمة، مؤكداً أنّ استمرار تأخير تشكيلها ينعكس سلباً على الأداء التشريعي والرقابي للمجلس.
وقال الشرماني، إنّ “اللجان النيابية تمثّل العمود الفقري لعمل مجلس النواب، ومن دونها لا يمكن المضيّ قدماً في تشريع القوانين أو ممارسة الدور الرقابي بشكل حقيقي، وربط تشكيل هذه اللجان بالخلافات أو الصراعات السياسية أمر غير مبرّر ولا يخدم المصلحة العامة”.
وبيّن أنّ “المرحلة الحالية تتطلّب تغليب منطق التوافق والمسؤولية الوطنية على الحسابات الضيّقة، وعلى الكتل السياسية كافة تجاوز خلافاتها والإسراع بحسم ملف اللجان النيابية وفق معايير مهنية وكفاءة، بعيدة عن المحاصصة والتجاذبات”.
مناقشة ملفات مهمّة
وأضاف أنّ “تعطيل عمل اللجان يعرقل مناقشة ملفات مهمّة تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل القوانين الخدمية والاقتصادية والرقابية، كما يجب الحذر من أنّ استمرار هذا التأخير سيؤدّي إلى إضعاف المؤسسة التشريعية”.
وغالباً ما يتحوّل ملفّ تشكيل اللجان النيابية إلى ساحة صراع موازية لتقاسم المناصب العليا في الدولة؛ إذ تسعى الكتل إلى الحصول على رئاسة أو مقرّري اللجان المؤثّرة (المالية، القانونية، الأمن والدفاع، النفط والغاز، الاستثمار، النزاهة…) باعتبارها مواقع نفوذ حقيقية في رسم السياسات، ومتابعة العقود والملفّات الحسّاسة، والتأثير على مسار التشريعات.
هذا النمط من المحاصصة يجعل:
- توزيع اللجان مرتبطاً بحجم كل كتلة وعدد مقاعدها، لا بخبرة أعضائها في الملفّات المتخصّصة.
- تسمية الرئاسات والمقرّرين رهينة الصفقات السياسية، بحيث يُستبدل معيار الكفاءة بمعيار “الاستحقاق الحزبي”.
- الزمن الدستوري والسياسي لتشكيل اللجان يتجاوز الحدود المعقولة، فيُترك البرلمان أشهراً من دون أدواته الرقابية الفاعلة.
تأخر حسم اللجان
في دورات سابقة، أدّى تأخر حسم اللجان إلى تعطّل مشاريع قوانين أساسية، وتأجيل استجوابات، وضعف متابعة الأداء الحكومي، ما خلق فجوة إضافية بين الشارع والمؤسسة التشريعية، ورسّخ الانطباع بأنّ الصراع على المواقع أهمّ من معالجة أزمات الخدمات والاقتصاد.
وتظهر دعوة الشرماني، ومعه أصوات أخرى داخل البرلمان، إدراكاً متزايداً بأنّ استمرار الفراغ في ملفّ اللجان يرسل رسالة سلبية للشارع في لحظة تحتاج فيها القوى السياسية إلى استعادة الحدّ الأدنى من الثقة.
فالإسراع بتشكيل اللجان وفق معايير مهنية – كما يطالب الشرماني – لا يعني فقط استكمال الشكل المؤسّسي لمجلس النواب، بل يمثّل اختباراً عملياً لقدرة الكتل على تقديم المصلحة العامة على منطق المحاصصة، وتحويل الخلافات من معركة على المواقع إلى تنافس في الأداء والخدمة والتشريع.
وفي المقابل، فإنّ استمرار التعطيل سيبقي البرلمان في موقع “المتفرّج” على أزمات يومية تمسّ حياة المواطنين، من الأسعار والبطالة إلى الخدمات والبنى التحتيّة، ويعمّق الانطباع السائد بأنّ الخلافات السياسيّة أهمّ عند بعض القوى من أيّ إصلاح حقيقي داخل الدولة.

