شفقنا العراق-إجراءات اقتصادية تثير تساؤلات ملحّة حول عدالة توزيع الأعباء المالية، بعدما شملت رفع الرسوم الجمركية وتنظيم الجبايات، دون أن تطال رواتب ومخصصات الدرجات العليا، ما عزّز الانطباع الشعبي بأن الإصلاح يبدأ وينتهي عند المستهلك العادي.
تثير الإجراءات الاقتصادية الأخيرة التي اتخذتها حكومة تصريف الأعمال في العراق موجة قلق واسعة في الشارع، وسط شعور متزايد بأن كلفة التقشف والجباية الجديدة تحمَّل بالكامل على كاهل المواطن والطبقات الأضعف، مقابل غياب أي مؤشرات على مساس الامتيازات السياسية العليا أو إعادة هيكلة حقيقية للإنفاق العام.
وخلال الأسابيع الماضية، أقرت حكومة تصريف الأعمال سلسلة قرارات مالية، شملت رفع التعرفة الجمركية على عدد من السلع المستوردة بنسب متفاوتة، وإعادة تنظيم الرسوم في المنافذ الحدودية، في إطار مساعٍ حكومية لتعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليص العجز المالي، في بلد يعتمد على النفط بأكثر من 90 بالمئة من موارده.
عبء فوري على السوق
ويرى مختصون أن توقيت وآلية تطبيق هذه القرارات تسببا بصدمة مباشرة للسوق، إذ فرضت الرسوم الجديدة دون فترات انتقالية أو إشعار مسبق، ما أربك التجار وسلاسل الاستيراد، وأدى إلى توقف أو تباطؤ في حركة البضائع، خصوصاً في المنافذ البرية، مع توقعات بانعكاسها السريع على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي زيادة في الرسوم الجمركية، حتى وإن بدت محدودة في ظاهرها، سرعان ما ترحّل إلى المواطن عبر ارتفاع الأسعار، لا سيما في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ويعاني ضعفاً في الإنتاجين الصناعي والزراعي المحليين.
استثناء سياسي كامل
في المقابل، يلفت مراقبون إلى أن الإجراءات التقشفية الأخيرة لم تمسّ البنية الأساسية للإنفاق العام، ولا سيما رواتب ومخصصات الدرجات العليا، وامتيازات الرئاسات والهيئات المستقلة، التي تعد من أكثر بنود الموازنة إثقالاً، ما عزز الانطباع الشعبي بأن التقشف يجري “من الأسفل فقط”.
وتتزامن هذه القرارات مع استمرار الإنفاق المرتفع على الرواتب والمخصصات، في وقت تشير فيه أرقام رسمية إلى أن النفقات التشغيلية الشهرية تقترب من 9 تريليونات دينار شهريا، تمثل الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية الجزء الأكبر منها، مقابل محدودية الإنفاق الاستثماري القادر على توليد موارد مستدامة.
قراءة اقتصادية
بدوره قال الباحث في الشأن الاقتصادي دريد العنزي إن “الإجراءات الأخيرة تعكس غياب رؤية شاملة للإصلاح، إذ جرى اللجوء إلى أسهل الحلول عبر زيادة الرسوم والجباية من دون معالجة الخلل البنيوي في إدارة المال العام”.
وأوضح العنزي أن “رفع الرسوم الجمركية بشكل فوري ومن دون تمهيد يُربك السوق ويضرب أرباح التجار، ما يدفعهم لاحقاً إلى تحميل الكلفة على المواطن، بينما تبقى الامتيازات السياسية والرواتب العليا خارج أي مراجعة”.
وأشار إلى أن “الاقتصاد العراقي يعاني منذ سنوات من اختلالات واضحة، أبرزها تضخم الإنفاق التشغيلي، وغياب التخطيط، واستمرار الهدر، مقابل ضعف الحلول الإنتاجية”، مبيناً أن “المواطن والمتقاعد وذوي الدخل المحدود هم الحلقة الأضعف التي يجري استهدافها في كل أزمة”.
وأضاف أن “البدائل موجودة لكنها غائبة عن القرار، من بينها إدارة أفضل للقطاع النفطي والمشتقات، وتقليل الاستيراد، ومعالجة ملف التهريب، وتقليص النفقات غير الضرورية، قبل الذهاب إلى تحميل السوق والمواطن أعباء جديدة”.
عجز متصاعد
ويحذر مختصون من أن استمرار الاعتماد على حلول قصيرة الأمد، قائمة على الجباية ورفع الرسوم، دون إصلاح إداري ومالي عميق، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل بتباطؤ النشاط التجاري، وارتفاع التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن.
أزمة ثقة
وفي ظل هذا المشهد، تسود حالة من الترقب والقلق في الشارع الاقتصادي، بالتزامن مع الخلافات السياسية المستمرة وتأخر تشكيل حكومة مستقرة، ما يضعف الثقة بأي مسار إصلاحي لا يلامس جذور الأزمة، ولا يعيد ترتيب الأولويات، ولا يوزع الأعباء بشكل عادل بين الدولة والمجتمع.
ويرى مراقبون أن نجاح أي سياسة مالية يتطلب كسر الحلقة التقليدية التي تجعل المواطن دائماً الخاسر الأول، مقابل بقاء الطبقة السياسية ومراكز النفوذ بمنأى عن أي تقشف أو مساءلة، وهو ما يضع مستقبل الإصلاح الاقتصادي أمام اختبار حقيقي في المرحلة المقبلة.

