شفقنا العراق-الإطار التنسيقي يخوض اختباراً سياسياً معقداً، إذ يسعى إلى لعب دور الضامن للتفاهمات لا الطرف الضاغط، مستنداً إلى ثقله البرلماني ومسؤوليته الدستورية.
في إطار المباحثات التي أجراها وفد الإطار التنسيقي، أمس الأول، في إقليم كردستان، تم طرح جملة من المقترحات الرامية إلى كسر الجمود القائم بين الحزبين الكرديين.
وشهدت اللقاءات بحث خيارات تتعلق بتبادل بعض المواقع السياسية والتنفيذية، بوصفها مسارا تفاوضيا يهدف إلى الوصول لتوافق دستوري يتيح استكمال الاستحقاقات المؤجلة.
وتأتي هذه المباحثات في توقيت بالغ الحساسية، في ظل الحاجة الملحة لحسم ملف الرئاسة وانعكاساته المباشرة على تشكيل الحكومة واستقرار العملية السياسية في البلاد.
التحرك حظي بترحيب ملحوظ من أوساط سياسية كردية، رأت فيه مؤشراً على رغبة حقيقية لدى الإطار في المساهمة بحل الأزمة، بعيداً عن منطق فرض الإرادات أو الاصطفافات الحادة.
كما ترافق مع تأكيدات كردية رسمية تنفي وجود انقسامات داخلية بشأن المنصب الرئاسي، وتؤكد أن القرار النهائي سيصدر وفق ما تراه القيادة الكردستانية محققاً للمصلحة العامة.
الوسيط التقليدي
ووفق مصادر سياسية مطلعة، فإن الإطار التنسيقي لم يكتفِ بدور الوسيط التقليدي، بل دخل إلى مسار المفاوضات بمقاربة تقوم على تقديم حزمة مقترحات متكاملة للطرفين الكرديين، تنطلق من مبدأ أن استمرار الخلاف ينعكس سلباً على مجمل العملية السياسية، ويؤخر استكمال الاستحقاقات الدستورية في توقيت حساس تمر به البلاد.
عضو المكتب السياسي والناطق الرسمي باسم المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، الدكتور علي الدفاعي، أوضح أن الإطار تحرك انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية والدستورية، وبما يمتلكه من ثقل برلماني، مؤكداً أن الهدف الأساس كان مساعدة الإخوة الكرد على التوصل إلى تفاهم مشترك بشأن منصب رئيس الجمهورية، بما يتيح عقد جلسة مجلس النواب واستكمال مسار تشكيل الحكومة.
وأشار الدفاعي إلى أن وفد الإطار طرح خلال لقاءاته مقترحات تهدف إلى تخفيف حدة التنافس، من بينها إعادة النظر بآلية الترشيح، وإيجاد صيغة توافقية تحظى بقبول الحزبين، مع التأكيد على احترام الخصوصية السياسية الكردية وعدم التدخل في خياراتها الداخلية.
ومن بين أبرز المقترحات التي جرى تداولها، حسب قيادات كردية، فكرة إعادة توزيع بعض المواقع السياسية والتنفيذية بما يحقق توازناً في الشراكة، ويخفف من حدة الصراع على منصب رئيس الجمهورية.
الانسحاب طوعاً
عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني وفا محمد، أكد أن الإطار ناقش مع الطرفين إمكانية إقناع أحد المرشحين بالانسحاب طوعاً من السباق الرئاسي، مقابل تفاهمات سياسية أوسع تشمل مناصب أخرى داخل الدولة.
وبيّن محمد أن الحزب الديمقراطي قدم بدوره مقترحات إلى الاتحاد الوطني، تضمنت التنازل عن منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، أو رئاسة إحدى الوزارات السيادية، مقابل تخلي الاتحاد الوطني عن منصب رئاسة الجمهورية.
ثم أوضح أن هذه الطروحات جاءت ضمن نقاشات مفتوحة، شجع الإطار التنسيقي على المضي بها، باعتبارها تمثل حلولاً سياسية قابلة للنقاش وليست إملاءات.
وإلى جانب المقترحات المتعلقة بالمناصب، شدد الإطار التنسيقي على ضرورة الالتزام بالتوقيتات الدستورية، وعدم رهن الاستحقاقات الوطنية بالخلافات السياسية.
الدفاعي أكد أن الإطار يرى في انتخاب رئيس الجمهورية مدخلاً أساسياً لتشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية، مشيراً إلى أن أي تأخير إضافي ستكون كلفته عالية على استقرار البلاد.
مقترحات الإطار
المحلل السياسي محمد صلاح أشار بدوره إلى أن مقترحات الإطار لم تكن بمعزل عن الإطار الدستوري، بل ركزت على ضمان أن تتم أي تسوية ضمن السياقات القانونية، بما يعزز ثقة الشارع العراقي بالعملية السياسية، ويؤسس لمرحلة قائمة على احترام المؤسسات لا على الصفقات المؤقتة.
ولم تقتصر لقاءات الإطار مع الحزبين الكرديين على ملف رئاسة الجمهورية، بل شملت، بحسب الباحث في الشأن السياسي الدكتور طالب محمد كريم، جملة من الملفات العالقة التي تشكل جزءاً من الخلافات المزمنة بين بغداد وأربيل، وفي مقدمتها ملفات النفط والغاز، والرواتب، والموازنة، وطبيعة العلاقة الاتحادية.
كريم أوضح أن الإطار طرح مقترحاً يقوم على الفصل المرحلي بين حسم منصب رئيس الجمهورية ومعالجة الملفات الخلافية الأخرى، مع الاتفاق على جداول زمنية واضحة لمناقشتها بعد تشكيل الحكومة، بما يمنع تعطيل الاستحقاق الرئاسي بسبب ملفات قابلة للتفاوض على المدى المتوسط.
القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبوار بابكي وصف زيارة وفد الإطار بأنها ضرورية وجاءت في توقيت بالغ الحساسية، مؤكداً أن المقترحات التي طرحت عكست فهماً لطبيعة التعقيدات السياسية الكردية، ومحاولة جادة لفتح قنوات تفاهم بدلاً من فرض حلول جاهزة.
ضغوط سياسية
وفي الوقت نفسه، أبدت بعض الأوساط الكردية حذراً من أن أي تسوية يجب أن تقوم على توافق حقيقي، لا على ضغوط سياسية ظرفية، وهو ما أكده الإطار نفسه خلال لقاءاته، بحسب مصادر حضرت بعض الاجتماعات.
مع أن المقترحات التي قدمها الإطار التنسيقي لم تحسم الخلاف بشكل نهائي حتى الآن، إلا أنها أعادت تحريك المياه الراكدة، وفتحت باب الحوار بعد فترة من الجمود. ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار مرهون بقدرة الحزبين الكرديين على تقديم تنازلات متبادلة، وباستمرار دور الإطار كضامن للحوار لا كطرف ضاغط.

