شفقنا العراق-معتقلو داعش يمثلون اليوم ملفاً يتجاوز البعد القضائي والأمني، ليدخل في صميم الصراع الإقليمي والدولي، حيث يرى مراقبون أن نقلهم إلى العراق قد يمنح بغداد سيطرة أكبر على الملف، لكنه في الوقت نفسه قد يحولهم إلى أداة ضغط تستخدم في حال انفلات الأوضاع أو تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران.
بدأت السلطات القضائية العراقية إجراءات التحقيق مع معتقلي “داعش” المنقولين من السجون الواقعة شرقي سوريا إلى العراق، بينما ما تزال عملية نقلهم مستمرة وعلى شكل وجبات متتالية.
ورغم إعلان السلطات العراقية أن عملية نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى السجون العراقية يشكل خطوة إيجابية لصالح الأمن القومي العراقي، إلا أن بعض المراقبين أكدوا تخوفهم من تحول ملف المعتقلين إلى لغم يهدد العراق وأمنه في حال اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة وانهيار الأوضاع جراء ذلك الصراع في المنطقة ومنها العراق.
ويزيد من هذه المخاوف، محاولات بعض الفصائل العراقية الموالية لإيران جر العراق إلى الصراع، ما يعني أن البلاد قد تتحول إلى ساحة للحرب وبالتالي زيادة فرص الانهيار الأمني فيه.
مخاطر هروب السجناء
وعن مخاطر وجود هؤلاء المعتقلين داخل العراق في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به المنطقة، يؤكد الباحث في مركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي أن تصاعد خطورة وجود معتقلي “داعش” في العراق يكمن في إمكانية حدوث الفوضى واضطراب الأوضاع في المنطقة والعراق على خلفية الصراع المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال مكي، إن “نقل معتقلي داعش وعددهم بالآلاف كما جرى الإعلان قد يبدو في بداية الأمر بأنه نقطة إيجابية، ولكنه لن يكون كذلك في المرحلة اللاحقة”، موضحاً أن “الخشية الحقيقية من هروبهم داخل العراق فسيكون في هذه الحالة خطرهم أكبر على العراق كما لو كانوا في سوريا”.
وتابع أن العراق يعتقد أن وجود هؤلاء المعتقلين لديه وفي سجونه أكثر أمانا من وجودهم في السجون السورية، على اعتبار أن الحكومة السورية غير جاهزة لحماية السجون على أراضيها، كما أن رؤية القوى الشيعية الحاكمة في العراق ترى أن وجود المعتقلين تحت حماية القوات السورية الجديدة هو خطر حقيقي لأنهم يرون في الحكومة السورية والقيادة السورية الجديدة امتداد للتطرف ولتنظيم داعش”.
وأشار مكي إلى “إمكانية تهريب هؤلاء المقاتلين من المعتقلات داخل العراق كما جرى تهريب مقاتلي القاعدة عام 2013 من سجن أبي غريب في بغداد”، مشددا على أن “الأخطر من كل ذلك هو أن المنطقة مقبلة على اضطرابات شديدة في حال حدوث الحرب بين إيران والولايات المتحدة والتي قد تمتد تداعياتها أمنيا على العراق ودول المنطقة”.
ولفت إلى أن “القراءة الواقعية والحقيقية تبين أن هناك خطرا مستقبليا من نقل هؤلاء المعتقلين إلى العراق في ظل الأوضاع الراهنة إذ أن الحرب يمكن أن تؤدي إلى الانهيار والانفلات الأمني في العراق وبالتالي سيؤدي ذلك إلى إمكانية هروب السجناء”.
معتقلو “داعش”.. ورقة ضغط أمريكية
ويتفق مع تلك المخاوف المحلل الأمني النقيب محمد فوزي اللامي، الذي توقع أن يكون هؤلاء المعتقلون ورقة ضغط يمكن استعمالها في العراق عبر تهريبهم إلى خارج السجون، لكنه أوضح أن هذه الورقة ستكون بيد الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال اللامي : إن “نقل مقاتلي داعش من سوريا إلى العراق قد يكون بنسبة كبيرة ورقة ضغط بيد الولايات المتحدة يمكن استخدامها في أي وقت، ولا سيما في حال الصدام مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تستولي على الحكم في العراق”.
وأضاف اللامي: أن “وجود معتقلات داخل العراق سيكون له مخاطر على الأمن العراقي أيضا في حال نشوب الحرب الأمريكية – الإيرانية واحتمالية انهيار الأمن في عموم المنطقة”.
نقل المعتقلين لا يثير المخاوف
لكن الباحث السياسي مجاهد الطائي يختلف مع وجهات النظر المتخوفة من نقل مقاتلي “داعش” إلى السجون العراقية، وشدد على أن وجود الآلاف من مقاتلي “داعش” في السجون العراقية أفضل وأكثر أمانا للأمن القومي العراقي من وجودهم في سوريا.
وقال الطائي : إن “بقاء مقاتلي داعش في السجون السورية من شأنه أن يهدد الأمن القومي العراق على اعتبار أن الدولة السورية غير قادرة حاليا على حماية هذه السجون لما تواجهه من مشاكل وعدم استقرار في الكثير من الجبهات”، مبيناً أن “العراق يشهد استقرار أمنيا غير مسبوق منذ العام 2003 وأن أجهزته الأمنية على قدر من المسؤولية والخبرة والدراية في التعامل مع هذه الملفات، لذلك ستكون قادرة على حماية السجون من أي خطر يهددها”.
واستبعد الطائي: “عودة سيناريو داعش في العراق كما حصل في 2014، كما استبعد أن وجود خطورة من وجود المعتقلين الدواعش في السجون العراقية”، لكنه حذر من “محاولة بعض قوى السلاح المنفلت أو إيران في تهديد أمن السجون وإمكانية تهريب السجناء في محاولة لخلط الأوراق إذا ما تطور الصراع في المنطقة”.
وتابع أن “الخطوة العراقية المتمثلة بموافقته على نقل المعتقلين تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح وتصب في مصلحة الأمن العراقي القومي”، لافتا إلى أن “العراقيل التي تواجه العراق جراء وجود هذا العدد من المعتقلين ومن جنسيات مختلفة هو آلية محاكماتهم خاصة وأن الكثير منهم يحملون جنسيات البلدان الأوروبية التي تختلف الأحكام القضائية فيها مع الأحكام في العراق والتي يمكن أن تطبق على معتقلي داعش من رعايا تلك الدول”، مبينا أن “هذه المشكلة تسبب تباطؤ عملية نقل المعتقلين إلى العراق لحين بحث العراق عن مخرج قضائي لمحاكمة هؤلاء المعتقلين الأجانب بطريقة أو بأخرى”.
خشية من فخ الأحكام القضائية
وكشف معهد “تكتيكات الأمن ومكافحة الإرهاب” البريطاني وجود تباطؤ في عمليات نقل سجناء “داعش” من سوريا إلى العراق كنتيجة لمخاوف من جانب السلطات العراقية لعدة أسباب من بينها الخشية من فخ الأحكام القضائية التي يمكن أن تنفذها المحاكم العراقية والتي تتضمن أحكاما بالإعدام والتي ترفضها غالبية دول العالم.
وقال المعهد في تقرير: إن “عملية نقل سجناء داعش تباطأت إذ إن واشنطن كانت تتوقع بداية نقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل خلال أيام، إلا أنه بعد مرور أكثر من أسبوع، لم يكن قد جرى نقل سوى أقل من 500 معتقل”، ونقل التقرير عن مسؤولين عراقيين قولهم إنهم “طلبوا من واشنطن إبطاء التدفق لإتاحة الوقت للتفاوض مع دول أخرى بشأن استعادة مواطنيها وإعداد منشآت احتجاز إضافية”.
وبحسب التقرير فإن “العراق حاكم العشرات من عناصر تنظيم “داعش” الأجانب في السنوات الأخيرة، إلا أن المسؤولين يحذرون من أن استيعاب آلاف آخرين منهم، سيفرض ضغوطاً على المحاكم ونظام السجون في البلد، إلا أن الأكثر أهمية من ذلك هو الخشية من أن المحاكمات الجماعية يمكن أن تعرض بغداد لانتقادات دولية حادة، خاصة إذا نال المحتجزون أحكاماً بالإعدام”.
وأشار التقرير إلى أن “العراق لا يزال يطبق حكم الإعدام”، مضيفاً أن “المحاكمات التي تتعلق بداعش، غالباً ما تؤدي إلى تطبيق عقوبة الإعدام، وهو ما يثير معضلة سياسية وأخلاقية أمام الحكومات الغربية التي تعارض عقوبة الإعدام، إلا أنها في الوقت نفسه ترفض استعادة مواطنيها”.

