شفقنا العراق-أسعار الذهب لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي متقلب، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على أحد أقدم أسواق بغداد، إذ أدّى الارتفاع الجنوني في قيمتها إلى شلل شبه تام في حركة البيع داخل شارع النهر، ودفع عدداً من الصاغة إلى تعليق لافتات البيع بعد عقود من العمل المتواصل.
لم يعد “شارع النهر”، أو كما يعرف بـ “شارع الصاغة” في قلب العاصمة بغداد، يلمع كما كان في السابق. الارتفاع الجنوني والمستمر في أسعار الذهب حوّل بريق المعدن الأصفر إلى “عبء ثقيل” أصاب السوق بالشلل، ودفع بالعديد من أصحاب المحال العريقة إلى تعليق لافتات “للبيع” والمغادرة بعد عقود من العمل.
في محاولة لمواجهة حالة الركود الحاد، بدأ الصاغة بالبحث عن حلول “وسطية” لضمان استمرارية العمل، تمثلت في صياغة قطع ذهبية بأوزان خفيفة جداً، أو اللجوء إلى تقليل “عيار” الذهب من 21 إلى 18 و14، وهو توجه لم يكن مألوفاً بشكل كبير في الذائقة البغدادية.
يقول الصائغ حاتم سلامة : «نحاول اليوم صناعة “تخم” بأوزان خفيفة تتراوح بين 4 إلى 5 مثاقيل فقط لتكون مقبولة سعرياً. وننصح الشباب المقبلين على الزواج بضرورة الوعي بمدى ارتفاع الأسعار، واعتماد سياسة الادخار التدريجي بشراء غرامات قليلة كل شهرين لتجنب الصدمة السعرية عند التحضير للزفاف».
تغيير الثقافة السائدة
من جانبه، يرى الصائغ كمال حسين أن الحل يكمن في تغيير الثقافة السائدة، موضحاً: «بعض الورش بدأت بالفعل بإنتاج مصوغات من عيار 18 و14 كبديل لعيار 21 المرتفع الثمن، لكن هذا النوع من الذهب يحتاج إلى وقت لينتشر ويصبح مقبولاً في السوق المحلية».
وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية، لا تزال التقاليد الاجتماعية تفرض قيوداً إضافية على الشباب. ففي الوقت الذي يعاني فيه السوق من الركود، لا تزال الكثير من الفتيات يتمسكن بمهر ذهبي مرتفع كشرط أساسي لإتمام الزواج.
انديلا، مواطنة كردية تسكن بغداد، تعبر عن وجهة نظر تظهر تمسك الكثيرين بالذهب كقيمة اجتماعية ومادية، قائلة: «في مجتمعنا نختار دائماً الشيء الثمين كضمانة. وبالنسبة للكرد، فنطلب الذهب بكثرة؛ فالمهر يجب ألا يقل عن نصف كيلوغرام أو حتى كيلوغرام من الذهب. أي شخص يتقدم للزواج مني، فإن الحد الأدنى لمطالبي هو نصف كيلو غرام».
هذا التضاد بين الارتفاع العالمي للأسعار والشروط الاجتماعية القاسية، أنتج واقعاً قانونياً مقلقاً؛ حيث يتوقع محامون ومختصون أن يكون عام 2026 هو الأقل في تسجيل عقود الزواج داخل المحاكم العراقية.
وتشير التوقعات السعرية إلى أن سعر “المثقال” الواحد قد يتجاوز حاجز المليون ونصف المليون دينار عراقي في الفترة المقبلة، مما يضع آلاف الشباب أمام طريق مسدود، ويحول شارع النهر من مركز للبهجة والهدايا إلى ساحة للصمود أمام تضخم لا يرحم.

