شفقنا العراق-السياسات التقشفية تثير جدلًا واسعًا حول عدالتها وجدواها، في ظل تساؤلات عن سبب استهدافها الموظفين والمتقاعدين والسلع الأساسية، مقابل بقاء الإنفاق المرتبط بالمناصب العليا والدرجات الخاصة خارج دائرة الإصلاح، ما يضع علامات استفهام حول مفهوم «الإصلاح» المطروح.
في وقتٍ تمضي فيه الحكومة العراقية بإجراءات وصفت بالتقشفية، يتصاعد الجدل حول عدالتها وجدواها، وسط تساؤلات عن سبب تركّزها على الجباية وتقليص المخصصات، مقابل بقاء الامتيازات السياسية والإنفاق المرتبط بالدرجات العليا خارج مسار الإصلاح. ويشير مختصون إلى أن هذه السياسات، بدل معالجة الاختلالات البنيوية، نقلت عبء الأزمة إلى الفئات الأضعف اجتماعياً، مع مخاطر تضخمية متزايدة.
وترافقت هذه الإجراءات مع خطاب رسمي يربطها بضرورة «تنويع الإيرادات» وتقليص العجز، في وقت يؤكد فيه مختصون أن معظم الخطوات المعلنة انصبت على رفع التعرفة الجمركية، وإلغاء أو تقليص مخصصات وظيفية، وتوسيع الجباية، وتأخير صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين. وقد انعكس ذلك سريعاً على أسعار السلع والخدمات، مع تجدد المخاوف من موجة تضخم تضرب السوق المحلية.
وخلال الأسابيع الماضية، اتخذت حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني سلسلة قرارات متلاحقة، تضمنت رفع التعرفة الجمركية على السلع المستوردة، إلى جانب إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية لشرائح واسعة من الموظفين، والتوسع في الرسوم والجبايات داخل المؤسسات الخدمية، في محاولة لتعظيم الإيرادات غير النفطية.
الامتيازات العليا
غير أن هذه الخطوات، وفق تقديرات اقتصادية، لم تترافق مع مسار موازٍ يمس الامتيازات العليا للمسؤولين أو يعيد هيكلة الإنفاق الكبير المرتبط بالمناصب السياسية والدرجات الخاصة، ما جعل أثرها يتركز مباشرة على القدرة المعيشية للمواطن، في وقت يعاني فيه السوق ضعفاً واضحاً وارتفاعاً في كلف الاستيراد.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي دريد العنزي أن «ما يجري لا يمكن وصفه بإصلاح اقتصادي حقيقي، لأن كل الإجراءات اتجهت نحو المواطن باعتباره الحلقة الأضعف، بينما جرى تجنيب الطبقة السياسية وأصحاب الرواتب العليا أي مساس فعلي».
وأضاف أن «رفع الرسوم الجمركية دون فترات انتقالية أو تخطيط مسبق يدفع التجار إلى تحميل الكلف مباشرة على المستهلك، ما يعني ارتفاعاً تدريجياً في الأسعار، في وقت لا توجد فيه حماية حقيقية للصناعة أو الزراعة المحلية».
وأشار العنزي إلى أن «ملفات الهدر الكبرى، من المنافذ الحدودية إلى الامتيازات العليا ورواتب الرئاسات، لا تزال خارج أي إصلاح فعلي، رغم الحديث المتكرر عن واردات جمركية تصل إلى 9 مليارات دولار سنوياً، لا يدخل منها إلى خزينة الدولة سوى 2-3 مليارات فقط».
وتبرز المنافذ الحدودية بوصفها واحدة من أكثر الملفات أهمية، إذ لم تشملها الإجراءات الأخيرة، رغم تصاعد الحديث عن سيطرة جماعات نافذة على جزء من مواردها، ما يحرم الدولة من مليارات الدنانير سنوياً.
أعلى هرم الدولة
من جهته، قال النائب السابق جواد اليساري إن «أي مسار إصلاحي لا يمكن أن يكون فاعلاً ما لم يبدأ من أعلى هرم الدولة، عبر مراجعة بنية الإنفاق العام والامتيازات الممنوحة للمناصب العليا، وبما يحقق قدراً من العدالة ويعيد التوازن بين الدولة والمجتمع»،
مؤكداً أن «تحميل الفئات الضعيفة كلفة الإصلاح يفرغ الإجراءات من مضمونها الاقتصادي ويحوّلها إلى عبء اجتماعي».
وأضاف أن «الإصلاح الحقيقي يتطلب قرارات شجاعة تعالج مظاهر الترهل الإداري والمالي داخل مؤسسات الدولة، وتبعث برسائل طمأنة وثقة للمواطن بأن الدولة جادة في إعادة ترتيب أولوياتها».
وفي مقاربة سابقة، أشار الأكاديمي والباحث الاقتصادي نبيل المرسومي إلى أن عدد الدرجات الخاصة في العراق يبلغ 6087 درجة، موزعة بين 768 درجة عليا (أ) و5319 درجة عليا (ب)، لافتاً إلى أن إجمالي الرواتب التقريبية المصروفة لهم سنوياً يصل إلى نحو 420 مليار دينار عراقي.
وأوضح أن «إعادة النظر في رواتب وامتيازات هذه الدرجات تمثل خطوة أساسية في تقليص النفقات العامة وتحقيق قدر من العدالة في سلم الرواتب»،
مؤكداً أن «الامتيازات المرافقة من حمايات ونثريات وحوافز وخدمات تفوق الرواتب الأساسية بعدة أضعاف، وتشكل عبئاً إضافياً على الموازنة».

