شفقنا العراق-جوازات الأطفال تحوّلت من وثيقة رسمية إلى أداة قهر صامتة، تحاصر آلاف الأمهات العراقيات وتضع أطفالهن في عزلة قانونية قاسية، حيث يقيَّد مستقبل الصغار بتوقيع أب غائب أو متخلٍ، وسط تشريعات تكرّس التمييز وتفتح الباب أمام الابتزاز والاستغلال النفسي والمالي.
بين دهاليز القوانين العراقية، تعيش آلاف الأمهات معاناة صامتة تتحول إلى سجن مفتوح لهن وأطفالهن. فالقانون يحرم المرأة من حقها في استخراج جواز سفر لأطفالها داخل العراق وخارجه، ليبقى مستقبل الصغار مرهوناً بتوقيع الأب، حتى في حالات الطلاق أو غيابه أو رفضه. ومع إقرار التصويت على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، تزداد القيود شدةً.
الأب يملك القرار.. والأم خارج المعادلة
نقل بيان لإعلام القضاء عن القاضي علي نوري أبو رغيف قاضي محكمة الأحوال الشخصية، أوضح، أن القانون لم يمنح الأم حق استخراج الجواز؛ وذلك لأن الأب هو الولي الجبري على أبنائه القاصرين، استناداً لأحكام المادة (27) من قانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980 التي تنص على أن ولي الصغير هو الأب ثم المحكمة، وعليه، لا يحق للأم مراجعة دائرة الجوازات للإصدار إلا إذا قام الأب بتنظيم “وكالة خاصة” لها من خلال دائرة كاتب العدل ليخولها بإجراءات استخراج جواز السفر.
وفي هذا السياق انتقد القاضي المتقاعد رحيم العكيلي، أداء الدولة ومؤسساتها التشريعية لغياب الاهتمام بشؤون المجتمع، مؤكداً أن البرلمان لا يصدر قوانين تنظّم حق الأم في الوصاية والسفر بوضوح.
وأوضح العكيلي أن القوانين الحالية لا تنظّم القضايا الاجتماعية الحساسة، ما يسبب معاناة لآلاف المواطنين، خاصة الأمهات العراقيات المقيمات في الخارج مع أطفالهن، حيث يواجهن صعوبات كبيرة في استخراج الوثائق.
وأشار العكيلي إلى أن تعليمات السفارات تمنع إصدار جوازات سفر للأطفال دون موافقة الأب، ما يضع القاصرين وأمهاتهم في مأزق قانوني خطير بالدول المستضيفة، وقد يعرضهم للسجن.
وبيّن أن هذا الوضع يضطر الأمهات، خصوصاً المقيمات خارج العراق، للجوء إلى طرق غير شرعية مثل التهريب أو التعرض للابتزاز المالي والجسدي من أجل استخراج وثائق عبور أو جوازات سفر لأطفالهن.
وأكد العكيلي أن هذا الإجراء “غير منطقي” ويمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان، حيث يجعل حق الطفل في وثيقة السفر مرهوناً بموافقة الأب الغائب أو الرافض، ما يفتح الباب أمام المآسي الإنسانية.
وحمّل العكيلي المسؤولية للسلطة التشريعية، مبيناً أن الفراغ التشريعي جعل عملية حصول الأم على وكالة للسفر خاضعة لـ “مزاجية القاضي” بدلاً من أساس قانوني ثابت.
أفرز هذا الفراغ التشريعي بيئة تابعة للنفوذ والعلاقات، حيث تحصل الأم ذات السلطة على تأييد السفر بسهولة، بينما تحرم منه أخرى مستحقة في حالة مماثلة، مما يؤكد أن العلاقات تسود على النصوص القانونية.
السفارات بين النص القانوني والتطبيق المعقد
بحسب شهادات عدة امهات عراقيات في الخارج يواجهن معاناة مضاعفة عند مراجعة السفارات لاستخراج جوازات سفر لأطفالهن حتى مع امتلاكهن وكالات قانونية من كاتب عدل ومصدقة من الخارجية العراقية، فإن السفارة العراقية تخاطب كاتب العدل للتأكد من صحة الوكالة واصدارها، وقد يطلب حضور الأب شخصيًا أمام الجوازات العامة ويتم إرسال إشعار إلى سفارة.
هذا الإجراء المعقد يؤدي إلى تأخيرات قد تمتد لأشهر وربما لعام كامل، بحسب شهادات امهات عالقات، مما يعرقل سفر أطفالهن، دراستهم، أو حتى تجديد إقاماتهم في بلاد الغربة.
القانون العراقي يعتبر الأب هو الوصي الشرعي، حتى لو أعلن أمام القاضي أنه لا يريد ابنته، المحكمة رفضت طلب حنين بالحصول على الوصاية الكاملة بالرغم من معرفة القاضي ان الطفلة لم تتلقى أي دعم من والدها لا مادي ولا ابوي، ليبقى مصير الأم والطفلة معلقًا بقرار أب غائب عن المسؤولية، وحاضر فقط في تفاصيل الانتقام.
غياب الامان النفسي
وعلى الصعيد الصحي أكدت الطبيبة اختصاص نسائية وتوليد، جوان ميرزا، أن “التوتر النفسي.. عدو خفيّ يهدد انتظام الدورة الشهرية والصحة الإنجابية”.
وتشير الطبيبة إلى أن الضغط النفسي والقلق يؤثران مباشرة على عمل “الغدة تحت المهاد” المسؤولة عن تنظيم هرمونات الدورة الشهرية، مما يسبب اضطرابها أو توقفها. وتحذر ميرزا من أن هذا الخلل قد ينذر بـ”اختلال في التبويض”، والأخطر من ذلك هو “زيادة احتمالية ظهور الأورام وكبر حجمها”.

