شفقنا العراق-السوريون في العراق يقفون اليوم أمام سؤال مصيري يتجاوز خيار العودة أو البقاء، ليطال معنى الاستقرار ذاته. فهل شكّل سقوط النظام نهاية لأسباب اللجوء، أم أن الهشاشة الأمنية والضبابية السياسية تجعل العودة مخاطرة جديدة، والإقامة في العراق محطة انتظار مفتوحة؟
بعد سقوط نظام بشار الأسد، يعيش السوريون المقيمون في العراق وجوداً معلّقاً بين الأمن الاجتماعي وهشاشة القانون. ليس السؤال اليوم عن حدود جغرافية أو روابط تاريخية، بل عن كيفية ترجمة السياسة إلى حياة يومية معلّقة، يعيشها السوري بين الإقامة المؤقتة، القيود القانونية، والتحولات الاجتماعية المحيطة به.
وتظهر شهادات سوريين يقيمون في بغداد وكربلاء، إلى جانب المعطيات القانونية والسياسية المتاحة، أن واقع الوجود السوري في العراق ما يزال محكوماً بحالة من الضبابية، تتقاطع فيها القيود القانونية مع التحولات السياسية، في ظل غياب إطار واضح ينظّم العلاقة بين بغداد ودمشق بعد سقوط النظام.
العودة أم القطيعة؟
يقدّم شاب سوري من ريف دمشق، فضّل عدم الكشف عن اسمه (20 عاماً) نموذجاً لجيل غادر قبل سقوط النظام، ليجد نفسه اليوم، عالقاً أمام سؤال العودة، لا بوصفها حلماً، بل خياراً ملتبساً.
غادر سوريا في تشرين الثاني نوفمبر 2023 تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، وهرباً من الخدمة العسكرية الإلزامية. يقول، مستعيداً لحظة الخروج “تعرفين.. ما كنا نعرف إذا اللي يروح عالجيش يرجع أو لا”.
ويقول إنه متفائل بما هو قادم، لكن هذا التفاؤل لا يخلو من ارتياب، فالتضييق على السوريين في العراق، وحالة الخوف والترقّب التي تسود حياتهم اليومية، جعلا وجوده معلّقًاً على احتمالات متغيّرة.
هذه ليست حالة فردية، فقد وثّقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عودة نحو 37 ألف سوري من العراق، من العرب والكرد، خلال المدّة التي أعقبت سقوط النظام. غير أن هذه الأرقام لا تظهر إجماعاً، بقدر ما تشير إلى انقسام حاد في المواقف: بين من يرى في العودة نهاية مؤقتة للتيه، ومن يعتبرها مخاطرة جديدة.
نزوح بلا أرقام
إلى جانب موجات اللجوء القديمة، تتشكّل اليوم حركة خروج جديدة أقلّ وضوحًا في الإحصاءات. يصفها بعض السوريين لا بوصفها سفراً، بل هروباً.
تقول يارا إسماعيل (31 عاماً) من مدينة اللاذقية: “لا أقول إنني سافرت. التعبير الأدق: هربت”. إذ لم يكن قرار المغادرة وارداً لديها قبل المجازر التي وقعت في الساحل السوري في مارس 2025 على يد القوات الحكومية السورية.
لا تبدو هذه الحالات معزولة، فمنذ مطلع العام، برزت المنح الدراسية، وعلى رأسها منحة “ادرس في العراق” كأحد أكثر مسارات الخروج شيوعاً، ولا سيما في الساحل السوري. عشرات الشبان والشابات غادروا عبر هذا الطريق خلال مدة قصيرة، في ظلّ تضاؤل البدائل، وتراجع القدرة على التخطيط داخل البلاد.
في هذا السياق، تبدو المنحة جزءاً من موجة خروج جديدة تختلف عن موجات اللجوء السابقة في شكلها، لكنها ناتجة عن الأسباب نفسها: تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وغياب الاستقرار. خروج لا يُعرَّف رسميًا كلجوء، ولا يمكن اعتباره سفراً اعتيادياً، بل مساراً فرضته الضرورة.
إلى جانب ذلك، توزّعت طرق الوصول إلى العراق بين عقود عمل محدودة وزيارات قصيرة تحوّلت لدى كثيرين إلى إقامة غير قانونية، ما وضعهم في حالة هشّة.
وعن حملات الترحيل التي بدأت قبل سقوط النظام ومازالت مستمرة، يرى الخبير القانوني محمد جمعة، من جهته، أن القانون العراقي، من الناحية الشكلية، يجيز ترحيل من لا يملك إقامة قانونية، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين الأجنبي العادي والسوري بوصفه لاجئًا فرّ من ظروف غير إنسانية”.
ويذكّر جمعة، بأن العراق، وإن لم يصادق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، إلا أنه طرف في العهد الدولي الخاص بحقوق الإنسان التي تنص على حق الحياة واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، وهي اتفاقيات تلزم الدولة بعدم إعادة أي شخص إلى بلد يحتمل أن يتعرض فيه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، وبحماية الأطفال اللاجئين على نحو خاص.
لا لاجئون ولا عمّال
بعد سقوط نظام بشار الأسد، ورغم التحولات الإقليمية والدولية التي رافقت المشهد السوري، التزم العراق موقف الحياد السياسي، متجنباً الانخراط العلني أو تبنّي خطاب داعم أو معادٍ للسلطة الجديدة في دمشق، ومكتفياً بإدارة العلاقة من زاوية أمنية حذرة.
في هذا السياق، يصف جمعة، وضع السوريين القانوني في العراق بأنه “وضع هش ومعلّق، لا يقوم على تصنيف واضح، ولا يوفّر أي حماية فعلية، رغم اختلاف أوضاع السوريين وتنوعها”.
ويوضح أن جزءاً من السوريين يقيمون في العراق بصورة شرعية، وبعضهم يحملون وثائق قانونية، وبينهم نساء تزوجن من عراقيين، فيما يصنَّف السواد الأعظم، عمليًا، على أنهم مقيمون “بشكل غير شرعي”، نتيجة غياب إطار قانوني ينظم اللجوء.
ويشير الخبير القانوني، إلى أن “الإشكالية الأساسية تكمن في أن السوريين يعاملون وفق قانون الإقامة بوصفهم مهاجرين غير نظاميين، لا لاجئين، رغم أن معظمهم لم يأتِ إلى العراق طوعاً، بل فراراً من أوضاع غير إنسانية، وهو ما يطابق التعريف القانوني للاجئ”.
وعن أثر سقوط النظام السوري، يؤكد أن المعاملة القانونية للسوريين لم تتحسن قبل أو بعد السقوط، بل ازدادت قسوة في بعض الحالات، مع الإشارة إلى وجود هامش ضيق لإمكانية معاملة بعض العلويين منهم كلاجئين رسميين، في حين تخضع بقية الطوائف لمعاملة أشد، دون أن يرقى ذلك إلى حماية قانونية حقيقية”.
ويلفت المحامي جمعة، إلى أن “منظمات المجتمع المدني حاولت التدخل لمعالجة هذا الملف، لكنها اصطدمت بغياب سياسات واضحة”، مشددًا على “ضرورة توفير فرق قانونية متخصصة لحماية السوريين، خاصة في ظل الجهل الواسع لدى كثيرين بإجراءات تسوية أوضاعهم القانونية”.
ويستعيد تجربة سابقة “فتحت فيها مديرية شؤون الإقامة باب تسوية الأوضاع لفترة محددة، إلا أن ضعف التوعية، وضيق الوقت، وغياب الدعم، أدى إلى فشلها، بل واستغلال بعض السوريين”، معرباً عن أمله بـ”إعادة هذه التجربة بشكل منظم ومسنود قانونيًا”.
تعاطف وإنسانية
“استقبلوني شهراً ونصف الشهر وأنا مكسور القدم، متعب، لا أملك شيئاً”.
بهذه الجملة يختصر شاب سوري عشريني تجربة سيبقى ممتناً لها ما عاش، بعد انتقاله إلى كربلاء للعمل، حيث تعرّض لكسر في قدمه، دون أن يبدي صاحب العمل السوري أي اكتراث بوضعه الصحي.
يقول إن عائلة كربلائية أخذته من مكان العمل، نقلته إلى المستشفى، تكفّلت بعلاجه، ثم استقبلته في منزلها “كأنه واحد منهم”.
لم يكن ضيفاً عابراً، بل كان فرداً من العائلة، له مكانه وكرامته.
“صلِّ كما تشاء، ومارس طقوسك كما تريد، نحن شعب واحد ولسنا شعبين، ولن تفرّقنا الطوائف”، كان ربّ الأسرة يردّدها عليه باستمرار، جملة لم تكن خطابًا أخلاقيًا بقدر ما كانت ممارسة يومية.

