شفقنا العراق-سماء العراق تمثل ثروة اقتصادية هائلة غير مستغلة بالكامل، إذ تدرّ عشرات الملايين من الدولارات شهرياً من رسوم العبور وحدها، إلا أن غياب التقارير الواضحة وتباطؤ تطوير البنى التحتية الجوية ينذران بخسارة فرصة تاريخية لتحويل البلاد إلى مركز طيران إقليمي.
في الوقت الذي يبحث فيه العراق عن مخرج من “فخ الاقتصاد الريعي” والاعتماد الكلي على النفط، تبرز سماء البلاد كواحد من أغلى الممرات الجوية في العالم. موقع جغرافي “ذهبي” يربط القارات الثلاث، وحركة طيران كثيفة تزداد أهميتها مع كل توتر إقليمي. ومع ذلك، يظل هذا القطاع لغزاً اقتصادياً؛
فبين أرقام الرحلات المتصاعدة وبين الواقع الخدمي والمالي للشركة العامة لخدمات الملاحة الجوية، تضيع مليارات الدنانير في دهاليز غياب الشفافية، ليبقى “الاقتصاد المعلق” في سماء العراق ينتظر قراراً سيادياً يحوّله من مجرد “ممر عبور” إلى “مركز طيران إقليمي”.
وحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة النقل العراقية في شهر أيلول من العام الماضي، بلغ معدل الطائرات العابرة للأجواء العراقية أكثر من 750 طائرة يوميًا. وخلال شهر واحد فقط، وصل مجموع الرحلات المدنية (القادمة، المغادرة، والعابرة) إلى قرابة 27 ألف رحلة.
وتوزعت هذه الرحلات بواقع:
22,500 رحلة عبور (Overflight)
4,450 رحلة قادمة ومغادرة عبر المطارات العراقية
هذه الأرقام لا تضع العراق فقط على خريطة الطيران الدولي، بل تجعله أحد أهم الممرات الجوية في المنطقة، خصوصًا مع تصاعد التوترات الإقليمية وإغلاق أو تقييد بعض المسارات الجوية المجاورة.
لغة الأرقام.. كم يجني العراق؟
يفرض العراق رسوم عبور تحسب وفقاً لوزن الطائرة والمسافة المقطوعة. وباعتماد الحد الأدنى عالمياً (450 دولاراً للرحلة الواحدة كما صرّح به وزير النقل الأسبق حسين الشبلي وخبراء اقتصاد – علما أن المعدل الوسطي عالميًا يتراوح بين 200 إلى 600 دولار لكل رحلة عبور، حسب الوزن والمسافة)
إيراد العبور الشهري: 22,500 رحلة × 450 دولاراً = 10.1 مليون دولار.
أما الرحلات القادمة والمغادرة، فتفرض عليها رسوم مطارات وخدمات ملاحية وخدمات أرضية، وقد تصل إلى 500 إلى 1,000 دولار للرحلة الواحدة، وعند أخذ الحد الأدنى يصبح كالتالي: 450 رحلة × 500 دولار (حد أدنى) = 2.2 مليون دولار.
الإجمالي الشهري التقريبي: 13 مليون دولار (ما يعادل أكثر من 17 مليار دينار عراقي شهرياً).
ورغم اختلاف الفترات الزمنية، إلا أن الاتجاه العام واضح: العائدات في تصاعد.. والشفافية غائبة.
أين تذهب “أموال السماء”؟.. لغز الشفافية والموارد
نظرياً، يجب أن تعود هذه العائدات السيادية إلى خزينة الدولة (وزارة المالية) والشركة العامة لخدمات الملاحة الجوية لتطوير البنية التحتية الجوية. لكن الواقع يثير علامات استفهام كبرى، إذ لا توجد شفافية دقيقة أو تقارير شهرية/سنوية منشورة توضح أين تصرف هذه المبالغ الضخمة، كذلك يشتكي العاملون في شركة الملاحة الجوية من قلة الموارد وتأخر التمويل، رغم أن شركتهم تُعد “دجاجة تبيض ذهباً” بالعملة الصعبة.
وإذا كان العراق يجني أكثر من 120 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور فقط، فلماذا لا تزال أجهزة الرادار ونظم المراقبة الجوية بحاجة إلى تطوير مستمر؟ ولماذا لا تنعكس هذه الواردات على تحسين مرتبة العراق في تصنيفات السلامة الجوية الدولية بشكل أسرع؟
هذا التناقض بين حجم الإيرادات المُقدَّرة وشكاوى العاملين يفتح بابًا واسعًا لعلامات استفهام حول الإدارة والحوكمة والرقابة.
اقتصاد في السماء.. لا على الأرض
بحساب سنوي بسيط، فإن 750 رحلة × 450 دولار × 365 يوماً يساوي أكثر من 120 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور فقط، لكن هذه ليست سوى الجزء الأصغر من الإمكانات الكامنة.
فموقع العراق الجغرافي يضعه على واحد من أهم ممرات الطيران العالمية بين آسيا وأوروبا والخليج، وهو موقع يؤهله للتحول من مجرد ممر عبور إلى مركز إقليمي متكامل لخدمات الطيران يقوم على ثلاث ركائز رئيسية: المرور الجوي، التزود بالوقود، والصيانة والفحص الفني.
في مجال التزود بالوقود، وبحسب الأسعار الدولية التقريبية لوقود الطائرات (Jet A-1) والبالغة نحو 900 دولار للطن، فإن جذب 300 طائرة يوميًا للتزود بالوقود بمعدل 15 طنًا للطائرة الواحدة، يحقق إيرادًا يوميًا قدره 4.05 مليون دولار، أي أكثر من 1.47 مليار دولار سنويًا من الوقود وحده، دون احتساب أجور المناولة والخدمات الأرضية الأخرى.
أما الصيانة والفحص الفني (MRO)، فهي من أكثر القطاعات ربحية في صناعة الطيران عالميًا. وبافتراض أن 200 طائرة يوميًا تجري فحصًا أو صيانة خفيفة بمتوسط 10,000 دولار للطائرة، فإن الإيراد اليومي يصل إلى 2 مليون دولار، أي ما يعادل 730 مليون دولار سنويًا، تشمل الفحوصات السريعة والدورية والخدمات التقنية المختلفة.
وعند جمع إيرادات المرور الجوي المقدّرة بنحو 120 مليون دولار سنوياً، مع عائدات التزوّد بالوقود البالغة قرابة 1.47 مليار دولار، وإيرادات الصيانة والفحص الفني التي تصل إلى نحو 730 مليون دولار، إضافة إلى رسوم وخدمات أخرى تقدّر بنحو 26 مليون دولار، يصبح العراق قادراً، نظرياً، على تحقيق أكثر من 2.3 مليار دولار سنوياً من قطاع واحد فقط، بعيداً عن النفط والديون، وذلك عبر استثمار موقعه الجغرافي وبنيته التحتية وتفعيل القرار السيادي.

