شفقنا العراق-رئاسة الجمهورية تبدو عالقة بين حسابات القوى السياسية المتشابكة، حيث لم تنجح المفاوضات حتى الآن في حسم اسم مرشح يحظى بإجماع واضح، ما يعكس حجم التعقيد الذي يلف هذا المنصب بوصفه بوابة دستورية لتكليف رئيس الوزراء واستكمال تشكيل السلطات.
تجدّد الجدل حول منصب رئيس الجمهورية مع اقتراب موعد الجلسة النيابية المنتظرة، في وقت يتقدّم فيه مرشحان أساسيان عن الحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وسط مساعٍ محمومة للبحث عن مرشح توافقي، وحسابات متشابكة للقوى الشيعية والعربية السنية إزاء هذا الاستحقاق الدستوري المحوري.
عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، علي الفيلي، كشف عن “وجود مرشحين أساسيين لمنصب رئاسة الجمهورية، هما وزير الخارجية الدكتور فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، والسيد نزار أميدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، مع ترجيح الاتجاه نحو طرح مرشح توافقي بين الحزبين”.
وقال الفيلي إنّ “هناك مرونة متبادلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني للوصول إلى بغداد بمرشح واحد”، مبيّنًا أنّ “هذا التوجه يأتي في إطار الجهود الرامية إلى توحيد الموقف الكردي والتوصل إلى اتفاق مشترك يخدم الاستقرار السياسي”.
ثم أضاف أنّ “المشاورات ما زالت مستمرة، وهناك إدراك متزايد لدى الطرفين لأهمية تجاوز الخلافات السابقة، بما يضمن عدم تعطيل الاستحقاقات الدستورية والمضي قدمًا في استكمال تشكيل السلطات”.
رئاسة الجمهورية.. عقدة دستورية في قلب معادلة الحكومة
منصب رئيس الجمهورية لا يعد تفصيلًا بروتوكوليًا في المشهد العراقي، بل نقطة ارتكاز في المسار الدستوري، إذ يُلزِم الدستور الرئيس المكلّف بأن يسمّي مرشح “الكتلة الأكبر” لرئاسة الوزراء خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا من تاريخ انتخابه. لذلك، بات واضحًا أنّ الخلاف على رئاسة الجمهورية يتجاوز “من يكون في قصر السلام”، ليتصل مباشرة بهوية من سيكلَّف بتشكيل الحكومة المقبلة، وشكل التوازن داخل السلطة التنفيذية.
في الحالة الراهنة، تتقاطع المعطيات مع ما أشارت إليه أشواق الجاف حول أنّ الإطار التنسيقي قدّم اسم مرشح رئاسة الوزراء، مع توقعات سابقة بترشيح نوري المالكي، في مقابل وجود أطراف تعارض هذا الترشيح. هذا الاعتراض لا ينفصل عن معركة رئاسة الجمهورية نفسها؛ فجزء من القوى الشيعية والكردية والعربية السنية ينظر إلى الرئيس بوصفه “ضامنًا” لتوازنات ما بعد التكليف، وليس مجرد موقّع على مرسوم تشكيل الحكومة.
الحسابات الكردية.. بين تثبيت النفوذ وتجنّب الانقسام
داخل البيت الكردي، يتداخل البعد الرمزي بالبعد السياسي. الاتحاد الوطني الكردستاني يرى تقليديًا أنّ منصب رئيس الجمهورية “استحقاق تاريخي” له، منذ تولّي الراحل جلال طالباني رئاسة الجمهورية بعد 2005، ومرورًا بمحطات لاحقة. في المقابل، يطرح الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ دورات سابقة سؤال “توازن الأدوار” داخل الإقليم والدولة، معتبرًا أنّ ثقله النيابي والسياسي يبرر أن يكون مرشحه في السباق إلى رئاسة الجمهورية.
لذلك تبدو فكرة “المرشح التوافقي” بين فؤاد حسين ونزار أميدي، أو اسم ثالث يجمع تواقيع الطرفين، محاولة لتفادي سيناريو الخسارة داخل البرلمان أمام مرشح “كردي – كردي”، ولإرسال إشارة أنّ الكرد ما زالوا يتصرّفون ككتلة واحدة في لحظة توزيع الرئاسات.
الاحتمالات المفتوحة.. من مرشح توافقي إلى تعطيل النصاب
أمام هذا المشهد المعقد، تتقدّم عدة سيناريوهات محتملة لمسار رئاسة الجمهورية:
- سيناريو التوافق الكردي المسبق: ينجح الحزبان في استثمار “المرونة المتبادلة” التي تحدث عنها علي الفيلي، ويتفقان على مرشح واحد، سواء كان فؤاد حسين أو نزار أميدي أو اسمًا ثالثًا يحظى برضاهما، وعندها تصبح مهمة تمرير الرئيس داخل البرلمان أسهل، مع حاجة إلى تفاهم نهائي مع الإطار التنسيقي والقوى العربية السنية حول رئاسة الوزراء وتوزيع الحقائب.
- سيناريو التنافس داخل قبة البرلمان: يفشل الحزبان في التوافق، ويذهب البرلمان إلى جلسة تضم مرشحين كرديين يتقاسم الكرد أصواتهم بينهما، بينما تتدخل كتل شيعية وسنية لحسم النتيجة. هذا السيناريو قد يؤدي إلى انتخاب رئيس جمهورية بدعم “خارجي” عن البيت الكردي، ما يترك جرحًا سياسيًا داخل الإقليم، وينعكس على الملفات المشتركة لاحقًا.
- سيناريو تعطيل النصاب وتأجيل الجلسات: تستمر لعبة الحضور والغياب داخل مجلس النواب، ويُستخدَم النصاب كأداة تفاوض، فيُؤجَّل الحسم مرات عدة، الأمر الذي يبقي منصب رئيس الجمهورية معلّقًا، ويُبقي معه ملف تكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة في حالة انتظار مفتوح، بما يحمله ذلك من كلف سياسية واقتصادية على البلد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

