شفقنا العراق-في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تنشيط الاقتصاد وتحفيز الاستثمار، تعود سياسة الإعفاءات الجمركية إلى واجهة الجدل الاقتصادي، بوصفها أداة يمكن أن تدعم المشاريع الإنتاجية وتخفف كلفها.
في ظل سعي الحكومة إلى تنشيط الاقتصاد الوطني وتحفيز القطاعات الإنتاجية والخدمية، تبرز سياسة الإعفاءات الجمركية بوصفها إحدى الأدوات الاقتصادية المؤثرة، التي تستخدم لتشجيع الاستثمار، وخفض كلفة المشاريع، وتسهيل دخول السلع الأساسية إلى الأسواق المحلية بأسعار مناسبة.
غير أن هذه السياسة، على أهميتها، أصبحت موضع جدل واسع بين المختصين وصناع القرار، وسط مطالبات متزايدة بإعادة النظر فيها، وضبطها ضمن أطر قانونية واقتصادية واضحة، تمنع إساءة استخدامها أو تحولها إلى عبء على المالية العامة.
ويرى مختصون أن الإعفاءات الجمركية تمثل سلاحاً ذا حدين، إذ يمكن أن تسهم في دعم التنمية الاقتصادية إذا أحسن توظيفها، لكنها في المقابل قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في إيرادات الدولة، وتفتح أبواباً للفساد والتلاعب، في حال غياب الرقابة الصارمة والتقييم الدوري.
حافز استثماري مهم
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي حيدر الشيخ أن الإعفاءات الجمركية والضريبية تعدُّ من أبرز الحوافز التي تجذب المستثمرين المحليين والأجانب إلى السوق العراقية، لا سيما في ظل ما تمتلكه البلاد من فرص استثمارية واعدة.
ويشير الشيخ إلى أن الإعفاءات الممنوحة للشركات الاستثمارية تسهم في تقليل كلف الدخول إلى السوق، وتشجع رؤوس الأموال على خوض تجربة الاستثمار في العراق، رغم التحديات القائمة.
ويبيّن الشيخ أن العراق يطرح حالياً أكثر من 150 فرصة استثمارية موزعة على قطاعات حيوية، تشمل الكهرباء والنفط والصناعة والتعليم والتربية والإعمار والبلديات، إضافة إلى قطاعات خدمية وتنموية أخرى، ما يعكس تنوع البيئة الاستثمارية وقدرتها على استيعاب مشاريع مختلفة الأحجام والتوجهات.
وأوضح أن الإعفاءات الحالية تتيح للمستثمرين استيراد السلع والخدمات اللازمة لتنفيذ مشاريعهم لفترة زمنية محددة، بعد الحصول على الإجازة الاستثمارية، الأمر الذي يسهّل مراحل التنفيذ، ويخفض الكلف التشغيلية، ويسرّع دخول المشاريع إلى حيّز الإنتاج.
كما لفت إلى أن التوسع في الإعلان عن الفرص الاستثمارية، ولا سيما بعد ملتقى العراق للاستثمار، من شأنه أن يسهم في خلق فرص عمل واسعة، مبيناً أن نحو 150 فرصة استثمارية يمكن أن توفر وظائف لأكثر من 100 ألف شخص في قطاعات مختلفة.
وأضاف الشيخ أن دخول المستثمر الأجنبي إلى العراق لا يقتصر أثره على خلق فرص العمل فحسب، بل يمتد ليشمل دعم التنمية الاقتصادية وإدخال العملة الأجنبية إلى البلاد، بما ينعكس إيجاباً على استقرار سعر صرف الدولار في السوق الموازية.
الإعفاء… استثناء لا قاعدة
في المقابل، يحذر مختصون وقانونيون من التوسع غير المدروس في منح الإعفاءات الجمركية، مؤكدين أن الأصل في السياسة الضريبية هو فرض الرسوم، فيما يعدُّ الإعفاء استثناءً يجب أن يمنح وفق مبررات دقيقة ومحددة.
وفي هذا الإطار، شدد النائب السابق وعضو اللجنة القانونية النيابية، الدكتور رائد المالكي، على أن الإعفاءات الجمركية سياسة معمول بها عالمياً، لكنها لا تمنح إلا عند تحقق أهداف واضحة تخدم المصلحة العامة.
وأوضح المالكي أن الإعفاءات لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة عامة تتجاوز في حجمها وأثرها الإيرادات المتحققة من الرسوم المفروضة أصلاً، بل يجب أن تطبق ضمن أضيق نطاق ممكن، ووفق معايير شفافة.
وبيّن أن مبررات الإعفاءات تختلف بحسب الغاية منها، ومن أبرزها الجوانب المعيشية والاجتماعية، كإعفاء المواد الغذائية الأساسية، والأدوية، والعلاجات الطبية، وحليب الأطفال، وبعض المستلزمات الضرورية للحياة اليومية، بهدف ضمان توفرها بأسعار مناسبة للمواطنين.
عدم توفر بديل محلي
وأشار إلى أن الدولة تلجأ أيضاً إلى إعفاء بعض السلع في حال عدم توفر بديل محلي لها، خاصة إذا كانت من السلع الضرورية، لضمان استمرار وجودها في الأسواق ومنع ارتفاع أسعارها. كما تمنح إعفاءات أخرى لدعم قطاعات إنتاجية محددة، مثل إعفاء المواد الأولية الداخلة في الصناعات المحلية، كصناعة الأعلاف أو الصناعات الزراعية، بما يسهم في تحفيز الإنتاج الوطني.
وأضاف المالكي أن من بين أسباب الإعفاءات ما يتعلق بالاستثمار والقطاع الحكومي، موضحاً أن الحكومة غالباً ما تعفي مؤسساتها من الرسوم والضرائب، لعدم وجود جدوى اقتصادية من قيام جهة حكومية بدفع ضرائب تعود في النهاية إلى الخزينة العامة نفسها.
ولم يستبعد المالكي وجود إعفاءات ذات دوافع سياسية أو اقتصادية، كالسعي إلى توسيع التبادل التجاري مع دول معينة، إلا أنه شدد على ضرورة إخضاع هذا النوع من الإعفاءات لمعايير صارمة، تضمن عدم الإضرار بالمصلحة العامة.
ودعا المالكي إلى مراجعة شاملة لملف الإعفاءات الجمركية في العراق، مقترحاً تشكيل لجنة مختصة لإعادة تقييم الإعفاءات القائمة، لا سيما تلك التي مُنحت لأسباب مؤقتة قد تكون زالت، محذراً من أن استمرار الإعفاءات دون مبررات حقيقية ينعكس سلباً على إيرادات الدولة.
مخاوف من الارتجال
من جهته، وصف الخبير الاقتصادي دريد العنزي ملف الرسوم والإعفاءات الجمركية بأنه من أكثر الملفات حساسية وخطورة، مشيراً إلى أن الجهات المعنية لم تتعامل معه وفق رؤية اقتصادية واضحة.
وأكد أن الرسوم الجمركية تفرض عادة لحماية المنتج الوطني وتنظيم الاستيراد، إلا أن الكثير من الرسوم المفروضة مؤخراً، بحسب العنزي، لم تستند إلى دراسات علمية أو زمنية دقيقة.
وأوضح أن فرض الرسوم بشكل مفاجئ وبارتفاعات كبيرة ألحق ضرراً واضحاً بالمستوردين والتجار، في وقت يعاني فيه العراق من أزمة سيولة، كما دفع العديد منهم إلى تأجيل الاستيراد أو البحث عن منافذ بديلة، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من المواد باتت تدخل بطرق غير نظامية.
وحذر العنزي من أن الإعفاءات الواسعة وغير المنضبطة تفتح باباً للفساد والتلاعب، خصوصاً مع إعفاء بعض الجهات بشكل كامل، ما يثير تساؤلات حول العدالة في تطبيق السياسة الجمركية.
كما لفت إلى أن ارتفاع الرسوم أثر بشكل مباشر في كلف الإنتاج، خاصة في ظل اعتماد القطاع الخاص على المواد الخام المستوردة، ما يهدد بإغلاق المصانع وتراجع النشاط الصناعي.
إغلاق باب المشاريع الوهمية
وفي خضم هذا الجدل، يؤكد المدير العام لهيئة الجمارك، الدكتور ثامر قاسم داوود، أن ملف الإعفاءات الجمركية يخضع اليوم لسيطرة ومتابعة دقيقة، وأن مرحلة المشاريع الوهمية التي كانت تحصل على إعفاءات قد انتهت بالكامل. ويشير داوود إلى أن الهيئة طبّقت نظاماً متكاملاً لمتابعة الإعفاءات، من خلال تشكيل شعبة متخصصة تعنى بهذا الملف.
وأوضح أن الإعفاءات تمنح حصرياً وفق القوانين النافذة، وفي مقدمتها قانون الاستثمار، وقانون التنمية الصناعية، وقانون الجمارك، وتقتصر على المشاريع الصناعية والتنموية والاستثمارية الحقيقية، إضافة إلى إعفاءات المؤسسات الحكومية التي تستورد موادها بموجب القانون.
وبيّن داوود أن شعبة متابعة الإعفاءات تقوم بتدقيق جميع الطلبات الواردة من الجهات القطاعية، سواء عبر الهيئة الوطنية للاستثمار أو جهات التنمية الصناعية، للتحقق من صحة المعلومات، ومطابقتها للقوانين والتعليمات، والتأكد من الاستحقاق الفعلي للإعفاء.
وأضاف أن الهيئة تنفذ زيارات تفتيشية مفاجئة للمشاريع قبل منح الإعفاء وأثنائه وبعده، للتأكد من وجود المشروع فعلياً، واستخدام المواد المعفاة في العملية الإنتاجية.
وأشار إلى أن هيئة الجمارك قامت بمراجعة الإعفاءات الممنوحة في الأعوام 2020 و2021، وتمكنت من استرداد مبالغ مالية كبيرة بعد ثبوت منح إعفاءات غير مستحقة لبعض المواد،
مؤكداً أن الإجراءات الرقابية شملت حتى تدقيق الحسابات الختامية للمشاريع. وكشف داوود عن أن نسبة الإعفاءات الجمركية إلى إجمالي الاستيرادات انخفضت بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، لتتراوح حالياً بين 15 و20 بالمئة، وتشمل استيرادات المؤسسات الحكومية، في مؤشر على تشديد الرقابة وتقليص الهدر.

