شفقنا العراق ــ إجراءات لمواجهة الضغوط المالية المتزايدة على الاقتصاد العراقي، لابد من اتباعها للخروج من عنق الزجاجة، وتشمل وفق اقتصاديين اللجوء إلى خيارات اقتصادية واستثمارية بعيدة عن الاعتماد على النفط كعمود فقري للاقتصاد العراقي.
في وقت تصاعدت خلاله بشكل لافت، النقاشات حول زيادة إنتاج النفط كخيار لمواجهة الضغوط المالية، تجددت التساؤلات بشأن جدوى هذا التوجه وحدوده على المدى البعيد، فبينما توفر الزيادات الإنتاجية عوائد سريعة تسهم في تخفيف الأعباء الآنية على الموازنة، يؤكد مختصون أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تبنى على النفط وحده، بل تتطلب إصلاحات هيكلية وتنويعاً حقيقياً لمصادر الدخل، في إطار يوازن بين التزامات العراق داخل منظمة أوبك ومتطلبات التنمية الاقتصادية الداخلية.
العراق وأوبك
وفي هذا الشأن، أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن العراق، بصفته، عضواً فاعلاً في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، يمتلك وزناً تفاوضياً عالياً بفضل احتياطاته وكلفة إنتاجه المنخفضة.
مستدركاً أن هذا الوزن بحاجة إلى خطاب موحد يربط أي زيادة إنتاجية بمصلحة السوق العالمية، لا بمصلحة آنية ضيقة، كما يمكن للعراق أيضاً أن يطرح نفسه بمثابة قوة توازن داخل مجموعة أوبك المنتجة والمصدرة للنفط فيتولى القيام بزيادة مرنة لتعويض نقص دول أخرى، مع التزام الشفافية في بيانات الإنتاج والتصدير .
البعد المالي
وأضاف صالح، أنه في ما يتعلق بالبعد المالي الداخلي، فإن الإيرادات الإضافية، من 5 إلى 8 مليارات دولار سنوياً، قد تبدو مغرية، لكنها لن تغير المعادلة الإستاتيكية في المالية العامة، إذا استخدمت في العوائد النفطية ووجهت نحو الإنفاق التشغيلي.
مبيناً أنه يجب فصل الريع عن الموازنة التشغيلية، بحيث توجه الزيادة إلى صندوق سيادي أو استثماري يمول مشاريع البنية التحتية أو التعليم أو الصحة والصناعة والقطاع الرقمي، فمثل هذا الفصل، يخلق حاجزاً نفسياً وسياسياً يمنع استهلاك الريع في الرواتب والعمل المباشر.
البعد التنموي
وتابع المستشار الحكومي أنه البعد التنموي والإنتاجي، يجب أن ينظر إلى النفط باعتباره مورداً مهماً للتنمية لا مورداً ناضباً فحسب، مع الإشادة بالسياسات الحاسمة الحالية للحكومة وسياستها القوية في إنهاء حرق الغاز المصاحب وتحويله إلى كهرباء وصناعات غازية والاستثمار في التكرير والبتروكيمياويات لتعظيم سلاسل القيمة المضافة، مع ربط قطاع النفط بالقطاع الصناعي والزراعي عبر الطاقة والمواد الأولية.
الاستقرار المالي
ثم أوضح أن البعد الاستراتيجي يبقى متجسداً بجعل زيادة إنتاج النفط الخام أداةً لشراء الزمن الإصلاحي، لا مجرد هدف عائم يتماشى على الدوام خطياً، كما ذكرنا، مع توسع الموازنات العامة التشغيلية تلقائياً.
مشيراً إلى أنه إن لم تستخدم هذه الزيادات بجعلها أداة لإعادة هيكلة المالية العامة، فإن العراق سيظل رهينة لتقلبات الأسعار العالمية.
كما أكد أن الاستقرار المالي الحقيقي لا يأتي من ارتفاع الصادرات النفطية، بل من بناء اقتصاد إنتاجي متنوع يقلل هشاشة الاقتصاد أمام الأزمات.
ثم لفت لى أنه يمكن أن نقرأ إنتاج النفط هنا كرغيف خبز كبير، إذا التُهم سريعاً في الاستهلاك اليومي يزول أثره، أما إن تحول إلى خميرة لإنتاج أفران جديدة، فإنه يتحول إلى مصدر دائم للخبز.. “بالعراق حاجة إلى تحويل برميل النفط من لقمة عابرة إلى بنية إنتاجية مستدامة” .
إجراءات سريعة
على صعيد ذي صلة، شدد المختص في الشأن الاقتصادي، الدكتور أحمد الراوي، على ضرورة تبنِّي إجراءات سريعة وعملية لمعالجة تراجع الإيرادات المتحققة من الصادرات النفطية لتمويل بنود الموازنات العامة.
مبيناً أن الإجراءات تتمثل بإعادة النظر بالموازنات بعيداً عن توقعات الريع ورفع كل أشكال النفقات غير الضرورية، وتفعيل الأنظمة الإيرادية غير النفطية مثل الضرائب والرسوم العامة.
تنويع الدخول
وأضاف الرواي، أنه يجب العمل على تنشيط القطاعات الاقتصادية لتصبح قادرة على توفير فرص عمل للقوى العاملة الشابة وتنويع الدخول وكذلك تطوير الإنتاج النفطي بما يتناسب والطاقات الاحتياطية.
مؤكداً على أهمية العمل الجدي في محاربة الفساد في مؤسسات الدولة بجميع مفاصلها، مع ضرورة قيام الحكومة بإصلاحات حقيقية في النظام الضريبي والنهوض به إلى المستوى الذي يحقق الأهداف المطلوبة منه في دعم السياسة المالية للدولة وتحقيق الاستقرار المالي.

