شفقنا العراق-رئاسة الوزراء تطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة القوى السياسية، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي، على كسر نمط الحكومات التوافقية الهشّة، أم أن ضغوط المرحلة وتعقيداتها ستفرض في النهاية مرشحًا توافقيًا لا يمثّل خيارًا أوليًا لأي طرف.
مع كل دورة برلمانية تقريبًا، يجد العراق نفسه أمام المشهد ذاته: أسابيع وربما أشهر من المفاوضات المغلقة، وسباق تسريبات عن أسماء المرشحين لرئاسة الوزراء، ثم انسداد سياسي ينتهي غالبًا بمرشّح تسوية لم يكن في مقدّمة الترشيحات.
المشهد يتكرّر اليوم داخل الإطار التنسيقي، وسط تأكيدات من قوى سنية على أنّ “الكرة في ملعب الإطار”، وأن لا فيتو على المرشح ما دام قادرًا على إدارة مرحلة معقّدة اقتصاديًا وسياسيًا.
أزمة اليوم: اسم واحد يجمّد المشهد
الباحث في الشأن السياسي محمد علي الحكيم أكد أنّ قادة الإطار التنسيقي يواجهون صعوبة متزايدة في التوصّل إلى اتفاق نهائي بشأن تسمية رئيس الوزراء، ليس بسبب الأسماء المطروحة فحسب، بل بسبب اختلاف الرؤى حول شكل الحكومة المقبلة، وتوازناتها، وطبيعة المرحلة في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية والإقليمية والدولية
داخل الإطار، تتمسك بعض القوى بمرشحين بعينهم انطلاقًا من حسابات النفوذ والوزن السياسي، فيما تدفع أطراف أخرى نحو شخصية “أوسع قبولًا” داخل البيت الشيعي ومع بقية القوى، لتفادي أزمة جديدة تعيد إنتاج الانسداد وتأخير تشكيل الحكومة.
الحكيم يشير إلى أنّ استمرار حالة الانسداد قد يدفع في النهاية نحو خيار “مرشح التسوية”، وهو نمط عرفته الحياة السياسية العراقية أكثر من مرة، حيث يُتّفق على شخصية أقلّ تصادمية، قادرة على إدارة التوازنات واحتواء الخلافات، حتى وإن لم تكن الخيار الأول للكتل المتنافسة. هذا الخيار لا يلغي الخلافات جذريًا، لكنه يقدّم “مخرجًا اضطراريًا” لإنهاء الجمود، تحت ضغط الوقت ومطالب الشارع بتحسين الأداء الحكومي.
على الضفّة الأخرى، يضع النائب السابق عبد الخالق العزاوي المسؤولية مباشرة في ملعب الإطار، مؤكّدًا اليوم الثلاثاء (6 كانون الثاني 2026)، أنّ المجلس السياسي الوطني الذي يضم القوى السنية “لا يملك أي فيتو” على المرشح الذي يطرحه الإطار لرئاسة الحكومة، شريطة أن تتوافر فيه مواصفات جرى تداولها في اللقاءات الأخيرة، من بينها أن يكون “شخصية جديدة، لا يقود كتلة سياسية، ولا يدخل الانتخابات”.
بالنسبة للعزاوي، الأهم هو تشكيل “حكومة قوية وذات رؤية شاملة” قادرة على التعامل مع أزمة مالية ووضع اقتصادي صعب، يتطلّب قرارات قد تكون جريئة لتصويب مسار الاقتصاد وتأمين تمويل الخزينة، مع حاجة الحكومة إلى غطاء سياسي واسع داخل البرلمان لتنفيذ قرارات موجعة لكن ضرورية.
بهذا المعنى، تبدو عقدة “اسم رئيس الوزراء” اليوم لا تنفصل عن صورة أوسع: بنية نظام سياسي أنتج أكثر من مرة حكومات تسوية بعد أشهر من الانسداد، في مشهد يتكرّر منذ أولى الدورات البرلمانية بعد 2003.
المهام الصعبة أمام رئيس الوزراء المقبل
أمام رئيس الوزراء المقبل سلّة ثقيلة من الملفات المتراكمة التي تجعل موقعه أبعد ما يكون عن كونه استحقاقًا بروتوكوليًا أو مكسبًا حزبيا، بل مسؤولية مباشرة عن إدارة مرحلة توصف على نطاق واسع بأنّها من الأصعب منذ 2003.
في المقدمة يأتي الملف الاقتصادي، حيث تواجه البلاد أزمات متشابكة تتعلق بعجز الموازنة، وتذبذب الإيرادات النفطية، وتضخم فاتورة الرواتب، وتنامي الديون والالتزامات، في وقت يزداد فيه الضغط الشعبي من أجل تحسين مستوى الدخل، وتوفير فرص العمل، ومعالجة تآكل القدرة الشرائية.
هذا يفرض على رئيس الوزراء المقبل السير في خط دقيق بين قرارات إصلاحية قد تكون موجعة وغير شعبية من جهة، والحاجة إلى تجنّب صدام مباشر مع الكتل التي اعتادت التعامل مع الدولة بوصفها مصدرًا للغنيمة من جهة أخرى.
يضاف إلى ذلك ملف الخدمات والبنى التحتية، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل، وما يرتبط به من تحديات مناخية وبيئية، تجعل أي تلكؤ جديد في هذا المجال وقودًا سريع الاشتعال لاحتجاجات في الشارع.
إلى جانب الاقتصاد والخدمات، سيجد رئيس الوزراء المقبل نفسه أمام ملف أمني وسيادي شائك يتعلق بسلاح الفصائل خارج الإطار الرسمي، وتعقيدات تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وبين القوى المسلحة ذات النفوذ السياسي، فضلًا عن ضرورة إدارة توازن حساس في العلاقات الخارجية، سواء مع الولايات المتحدة أو إيران أو دول الإقليم، في ظل بيئة دولية مضطربة وصراع محاور لا يتيح هامشًا واسعًا للأخطاء.
كما تظل مسألة استعادة ثقة الشارع واحدة من أصعب المهام؛ إذ سيكون مطلوبًا من الحكومة الجديدة أن تقدّم إشارات ملموسة على مكافحة الفساد، وضبط الهدر، وتحسين الأداء الإداري، وإحداث تغيير حقيقي في طريقة إدارة الدولة، لا الاكتفاء بتغيير الأسماء في الواجهة.
كل ذلك يجعل من موقع رئيس الوزراء المقبل منصبًا محاطًا بتوقعات عالية وضغوط متزايدة، ويحوّل اختيار الشخص الذي يشغله من مجرّد استحقاق سياسي إلى رهان على قدرة النظام على تجديد نفسه وتفادي الدخول في دورة جديدة من الغضب والانسداد.

