شفقنا العراق-في عيده هذا العام، يبرز العيد المسيحي في العراق كمؤشر على التراجع الديموغرافي للمكوّنات التاريخية، حيث يبقى الاحتفال مرتبطاً بجهود حماية البقاء والهوية وسط تحديات اقتصادية وأمنية مستمرة.
حين تلامس أصوات أجراس الميلاد الأسماع، فإنها تحمل الذاكرة رغما عنها إلى مواسم الفرح والسلام، هكذا تعودنا ونحن صغار. وتتماهى مع الذاكرة السمعية الذاكرة البصرية وهي تحتفي بشموع تضيء مساءاتنا، تحملها رائحة أعواد الآس الأخضر وبخور لا مثيل له إلا تحت أجراس الكنائس، التي تعلن بدء طقوس الصلاة والاحتفال.
طقوس عيد الميلاد
شهدت الكنائس في إقليم كردستان، وبغداد، وسهل نينوى، مساء الأربعاء 24 كانون الأول، إقامة قداسات وطقوس دينية بمناسبة عيد ميلاد السيد المسيح، بحضور مصلّين حرصوا على إحياء المناسبة وسط إجراءات أمنية معتادة، وفي ظل ظروف اقتصادية وأمنية ما زالت تؤثر على الحياة اليومية في البلاد، لكنها لم تستطع أن تلقي بظلالها على المحتفلين بهذا اليوم المجيد.
رسائل تؤكد التعايش
وتزامنت هذه الطقوس مع رسائل تهنئة رسمية وجّهها كل من رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، والرئيس مسعود بارزاني، إلى المسيحيين في كردستان والعراق والعالم، أكدت على مكانة المسيحيين بوصفهم مكوناً أصيلاً، وعلى أهمية حماية ثقافة التعايش السلمي والتآخي.
وقال رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، في رسالة تهنئته، إن المسيحيين “مكوّن أصيل وجزء لا يتجزأ من تاريخ وحاضر ومستقبل كردستان”، مجددا التزام الإقليم بحماية التراث العريق للتسامح والتعايش، مؤكدا أن كردستان ستبقى “الملاذ الآمن والجامع لكل المكونات”.
العنف والهجرة
وكان الوجود المسيحي قبل عام 2003، واسعاً وموزعاً على مدن عدة، أبرزها بغداد، الموصل، سهل نينوى، والبصرة.
وتشير تقديرات كنسية وأممية متقاطعة إلى أن أعداد المسيحيين آنذاك كانت تفوق المليون نسمة.
لم يكن هذا الوجود محل نقاش أو جدل، ولم تكن الحماية مطلباً معلناً، لأن الشعور العام بالأمان كان قائماً رغم اختلاف الأنظمة السياسية.
لكن التحوّل بدأ بعد 2003، مع تفكك منظومة الأمن وتصاعد العنف الطائفي، باستثناء إقليم كردستان، ففضل الكثير منهم النزوح “إلى الإقليم الآمن”، أو الهجرة خارج البلاد.
نقطة الانكسار
تعرّضت الكنائس للتفجير، وظهرت حملات تهديد وابتزاز، وتقلّصت المساحات المشتركة في المدن الكبرى.
ومع ذلك، بقي الوجود المسيحي صامداً نسبياً حتى عام 2014، حين شكل اجتياح تنظيم داعش للموصل وسهل نينوى نقطة الانكسار الأكبر.
ففي تلك المرحلة، تعرّض المسيحيون لتهجير شبه كامل من مناطقهم التاريخية، وصودرت ممتلكاتهم، ودمّرت دور العبادة، واضطر عشرات الآلاف إلى النزوح الداخلي أو مغادرة البلاد.
هذه الوقائع موثّقة في تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، ولا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
عودة محدودة وتحديات مستمرة
بعد هزيمة داعش، بدأت محاولات العودة، لكنها بقيت محدودة وبطيئة.
فحسب تقارير محلية وأممية، ما زالت عوائق الإعمار، وضعف الخدمات، وغياب فرص العمل، وانعدام الثقة بالمستقبل، عوامل أساسية تحول دون عودة واسعة ومستقرة.
لذلك، استمر النزيف الديموغرافي، لا سيما بين فئة الشباب، الذين يرون في الهجرة خياراً أقل كلفة من الانتظار.
تراجع ديموغرافي وخسارة تنوع
أما اليوم، لا أرقام رسمية دقيقة لأعداد المسيحيين داخل العراق، بسبب الهجرة المستمرة وتداخل النزوح الداخلي والخارجي، لكن معظم التقديرات تشير إلى انخفاض كبير مقارنة بما قبل 2003.
هذا الانخفاض لا يقرأ فقط بوصفه تراجعاً عددياً، بل خسارةً لنمط من التنوّع الاجتماعي الذي شكّل جزءاً من هوية المدن العراقية لعقود.
المواطنة في عيد الميلاد
في عيد الميلاد هذا العام، لا يطرح سؤال الاحتفال بقدر ما يطرح سؤال المعنى: ماذا يعني أن يتحوّل مكوّن أصيل إلى ملف حماية، وأن يصبح البقاء قراراً صعباً لا حقاً بديهياً؟ وماذا خسر العراق حين فقد جزءاً من تنوّعه الإنساني والثقافي؟
ربما لا يحمل هذا اليوم إجابات جاهزة، لكنه يذكّر بحقيقة واحدة: أن المواطنة لا تُقاس بالعدد، ولا تُختصر بالمناسبات، بل تبنى بالأمان، والعدالة، والشعور بأن الوطن يتّسع للجميع دون استثناء.

