شفقنا العراق-محلة باب السيف تحتضن تاريخاً عميقاً من الذاكرة البغدادية، وبيت الوتار، بواجهته المميزة على نهر دجلة، يحفظ بين جدرانه ذكريات مئة عام من الثقافة والفنون والأنشطة المجتمعية، شاهداً على قدرة العائلات العراقية على الحفاظ على تراثها رغم التحديات الكبيرة التي واجهها العراق خلال القرن الماضي.
للمدن والمحلات، كما البشر، تواريخ ميلاد وملامح عمرانية تميزها من محلة إلى أخرى، ولها ذكريات زهو تتباهى بها، ولحظات حزن تتحاشى ذكرها وتتجنب البوح بلحظات حدوثها، رغم أن أرشيف الذاكرة أمين وحافظ لكل ما يحدث في هذه المدينة أو تلك المحلة، وذاكرة أهلها التي سكنتها وتعاشقت مع شواخصها ودرابينها، لهم بكل خطوة فيها خواطر عقل لا تنتهي، وجميع تلك العقول تخاطب منازلها كما خاطبها المتنبي الخالد:
لكِ يا منازل في القلوب منازل
أقفرتِ أنتِ وهن منكِ أواهل
يعلمن ذاك وما علمت وإنما
أو لا كما يبكى عليهِ العاقل
خارطة باب السيف
وجهتنا اليوم محلة (باب السيف)، وهي المنطقة التي تقع فيها اليوم دائرة التقاعد العامة، وبالتحديد على يسار جسر الشهداء للقادمين من ساحة الرصافي، فبالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي لإطلالتها على نهر دجلة، فهي محاطة بعدة محلات مهمة كالشواكة ورأس الجسر والدوريين والكريمات، فضلاً عن شارع حيفا. ويرتبط عيد ميلادها بتأسيس محلة الشواكة، الذي يعود لزمن الخلافة العباسية كما تشير أغلب المصادر.
وفي المحلة نفسها، كما يروي لنا المواطن جاسم الخفاجي، كان مسجد السيف الذي كان يحتوي على عدة قبور لأولياء صالحين، وحمام رجالي، ومقهى البيروتي القديم، قبل أن يهدم وينتقل إلى موقعه الآخر في العطيفية، بحسب قوله.
مضيفاً أن المسجد القديم، أثناء الخلافة العثمانية، تم ترميمه من قبل الوالي داود باشا. والخفاجي يقولها بحسرة: إن جميع تلك الأماكن، بما فيها السيف التي تعني خان الحبوب، تم هدمها في العام 1964 من قبل حكومة عبد السلام عارف، وشيّدت مكان ما هدم بناية دائرة التقاعد العامة، التي شغلتها في البداية وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بحسب قوله.
مقهى التتنجي
ما يشغلنا، بل محور استطلاعنا اليوم، هو بيت الوتار الواقع ضمن محلة باب السيف، الذي يعد من أهم البيوتات التراثية البغدادية وأقدمها، فضلاً عن محافظته على جمالية عمرانه، وادخاره لأغلب مقتنياته الأثرية التي كانت تستخدمها عائلة الوتار في بداية تأسيس البيت الساحر.
أرشدنا صوب البيت التاريخي صاحب (مقهى التتنجي) الحاج علي فارس، الذي جاد لنا بمعلومات مهمة عن المقهى الذي تأسس في العام 1934م من قبل المرحوم حميد مجيد الهبش، والذي حصل على المركز الأول في العراق كمقهى تراثي. ولعمرانية المقهى، الذي تفوح منه رائحة البناء القديم وجماليته، نراه يستحق تلك المنزلة.
صاحب المقهى بيّن لنا أن بيت الوتار يقع ضمن محلة باب السيف، وقد نال شهرته الواسعة لبنائه الخلاب وموقعه المهم على نهر دجلة، لذلك تجد العديد من الفعاليات قد حدثت فيه، كتصوير المسلسل العراقي «خان الذهب»، وزاره العديد من الوزراء والسفراء العرب والأجانب، كما أقيمت فيه عدة مزادات للأنتيكات الثمينة والنادرة، كمزاد الأطرقجي للسجاد، الذي حضره العديد من التجار والشخصيات البارزة.
عملية ترميم واسعة
صاحب البيت علي فؤاد داود الوتار بيّن أن البيت يعني له العائلة والجذور، ولذلك تجدني سميت ولدي داود تيمناً باسم جدي، ويبقى الحنين لهذا المكان هاجسي الأول.
وقد تعرض المكان للكثير من الحوادث، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أصبح المكان مأوى للاجئين أثناء الحرب، ومن باب الإنسانية وتقديم الخدمة للناس تحول إلى عيادة طب شعبي، وقبل الترميم الذي أشرفتُ عليه أصبح روضة للأطفال.
بعد ذلك باشرت بعملية ترميم واسعة لإعادة البيت التراثي إلى سابق عهده، رغم صعوبة الخطوة لقلة الخبرات وعدم توفر التقنيات القديمة من أدوات ومواد.
أرضية البيت أعدناها كما هي من خلال الموزائيك القديم، وأنا مسرور جداً لتحقيق هذا الأمر، ويسعدني جداً حين أرى الناس تهتم بجماليات المكان رغم الظروف التي عشناها على جميع المستويات، وبذلك حافظنا على هوية البناء العراقي المميز.
وتثلج القلب زيارات السياح الأجانب واندهاشهم وانبهارهم بالعمارة العراقية من خلال بيتنا التراثي وبقية البيوتات العراقية المميزة، وهذا مدعاة فخر واعتزاز لي ولعائلتي ولجميع العراقيين.
الشيخ الوائلي في الوتار
ولا أنسى – والحديث للحفيد– أن أشكر الرحمن على نعمته بأن جعلنا أسرة متحابة، ورابطنا الأول المودة وصفاء القلوب، وهذا ما جعلنا دائماً وأبداً، وجميعنا، حريصين على المحافظة على هذا الكنز العائلي وعدم التفريط به مهما كانت الأسباب، ومن المستحيل أن نفكر ببيع الدار مهما كانت الأسباب، لكونه ملتقى العائلة والخيمة الكبرى التي نلوذ ونجتمع تحتها.
ولذلك تجدنا حافظنا على مقتنيات وأثاث جدي وجدتي، وحتى أدوات المطبخ القديم نحتفظ بها. ومن بركات هذا البيت أنه كان يقيم مجالس العزاء الحسينية في شهر محرم الحرام، ولطالما تشرفت جدران البيت بصوت عميد المنبر الحسيني الدكتور أحمد الوائلي، وهو يلقي محاضراته في المجالس الحسينية التي تقيمها عائلتنا في البيت، بحيث تكون النساء في الطابق العلوي، والرجال في باحة البيت الأرضية الواسعة. وكانت جدتي، رحمها الله، تتكفل بالطبخ في أيام عاشوراء بنفسها وبمساعدة نساء المحلة، كما يقول الوتار الحفيد.
المديرة التنفيذية
بابتسامة جميلة كجمال البيت الذي تديره، استقبلتنا المديرة التنفيذية لبيت الوتار التراثي الإعلامية انعام عبد المجيد، المدير العام السابق لدار الأزياء العراقية.
وكنت أظن أن البيت الذي تديره الآن تابع لوزارة الثقافة، لكنها قالت: إن البيت ملك لبيت الوتار، وأنا أديره الآن بعد أن ركنتُ من العمل في الوزارة، وأصبحت من مدير عام إلى موظفة بسيطة، بحسب قولها.
وإدارة البيت من قبل مدير عام سابق، وبالتحديد لدار الأزياء، فضلاً عن كونها إعلامية معروفة، يجعلنا نؤمن بأن عائلة الوتار أحسنت الاختيار للمحافظة على سحر المكان وديمومة إدارته وتحديث ديكوراته من قبل شخصية متخصصة بإدارة التحف العمرانية والمحافظة عليها.
14 غرفة تراثية
عبد المجيد بيّنت أن البيت أنشئ في العام 1917م كمنزل عائلي، وهذا يعني أن عمره اليوم (108) أعوام، وهذا ما يجعلنا نقول بكل ثقة إن عمر هذا القصر الذي يزين ضفاف دجلة يفوق عمر الكثير من الدول التي تأسست حديثاً، سواء نتيجة صراعات سياسية أو عسكرية.
وأضافت أن البيت تأسس من قبل صاحبه الوتار، وحافظت العائلة على هذا الصرح وإدامته رغم ما مر به البلد من حروب وصراعات وحصارات، ولم يفكر ورثته بالتفريط به إلى يومنا هذا.
مبينة أن البيت بني من الحجر والطابوق القديم، واستخدم في البناء خشب البلوط والجوز، والبيت الذي تبلغ مساحته (385) م² يضم (14) غرفة، وكل واحدة منها تحتفظ باستقلالية عمرانية عن الغرف الأخرى، وجميعها صممت بالبناء البغدادي القديم المعروف بمتانته وجماليته، لكونه مستوحى من عمران حضارات وادي الرافدين، بحسب قول عبد المجيد.
الحاج محمد واللغات
ما إن تطرق الباب الخشبي الجميل بالعروة الذهبية، التي تبدو وكأنها ولدت مع الباب، حتى تعود إلى بيوت الشناشيل والمحلات البغدادية القديمة التي اندثر أغلبها. ومع دخولك لحضرة الجمال، لا بد أن تردد مع الروح أغاني المقام العراقي الأصيل، وكأني أردد مع الفنان حسين الأعظمي، مع تحوير الكلمات:
داري… داري… بلي… بلي…
بهوى أرضي… أنا أنا ولهان…
بيت التراث العالي…
الوتار سحره يلالي…
غالي عراقي غالي…
ولهل الحضارة عنوان…
داري… داري
نعم، إنه الجمال في كل شيء، ثريات ونوافذ ملونة تعانق الشمس في أول شروقها، لتنعكس الألوان على زخارف التحف الموزعة بدقة ومهارة بين مساند وطبلات من الخشب القديم. أنى تلتفت تجد الدهشة ومتعة النظر للوحة فنان أو صورة تاريخية لباني هذا المنزل مع ولده داود، وصورة لساسة العهد الملكي، الذي كانت للتاجر الحاج محمد علاقات طيبة معهم ومع المجتمع، بحسب ما أوضحت لي مديرة البيت.
وأكدت أن الحاج محمد كان يجيد أكثر من خمس لغات، فضلاً عن العربية، وهي: (الإنكليزية، الألمانية، الفرنسية، الفارسية، الكردية)، وهذا ما جعله لسان حال الشعب ومطالبته بحقوقهم أثناء الحكم البريطاني للعراق.
كما تشير الوثائق التاريخية إلى أن الحاج محمد الوتار كان المترجم لوفد التجار العراقيين في أثناء اجتماعهم بالجنرال مود، قائد القوات البريطانية.
فعاليات فنية وأدبية
عبد المجيد بيّنت أن المحبة والإيثار وصفات الخير التي نتمناها لمجتمعنا تجدها في هذا البيت، وهذا ما لمسته على أرض الواقع من خلال عملي كمديرة تنفيذية لهذا البيت التراثي المهم.
ولذلك، وبسبب العطاء الذي قدموه للناس، كبناء مدرسة الشيماء الابتدائية للبنات في منطقة الشواكة وغيرها من الأعمال الخيرية، تجد هذا البيت، ورغم الظروف التي عاشها البلد، بقي شامخاً ومصاناً، بل وأصبح معلماً سياحياً يرتاده الكثير من الوفود السياسية والسياحية.
وعلى سبيل المثال، أقام السفير الياباني حفل توديعه لموظفي السفارة داخل البيت، والسفير السويسري استقبل وزير خارجية بلده وكذلك رئيسة البرلمان السويسري في شهر تشرين الأول من هذا العام، وغيرها من المناسبات المهمة، التي هي دلالة لا تقبل الشك على أهمية هذا الطود الشامخ، الذي يستمد شموخه من وجوده كجار وفيّ ونقي لنهر دجلة الخالد، حسب قول مديرة البيت.
وأكدت أن الكثير من المعارض التشكيلية لفنانين مشهورين احتضنها البيت، فضلاً عن الجلسات الثقافية التي أقيمت داخله بحضور الرموز العراقية المثقفة، كوزير الثقافة السابق حسن ناظم وآخرين.
ونحن نودع أيقونة دجلة، بابتسامة المديرة التنفيذية للدار، تذكرت قول الشاعر الأمير الصنعاني:
سلامٌ على تلك الديار وأهلها
ديارٌ بعين القلب صرتُ أراها
لَئِن بَعُدَت عنا وشطَّ بها النوى
فما شطَّ عن قلب المحب هواه

