شفقنا العراق ــ برزت في العراق مؤخراً ظاهرة النساء العاملات في المنازل، مقابل أجر مادي تهتم بنظافة المنازل أو الطبخ أو العناية، لكن غياب قوانين ناظمة لعملهن يجعلهن عرضة للابتزاد والإهانة.
تعمل آلاف النساء في العراق بنظام الأجر اليومي داخل بيوت العائلات عاملات تنظيف أو طباخات في المناسبات أو مقدّمات خدمات منزلية مؤقتة، في سوق هش وغير منظم لا توفر فيه أي جهة رسمية مظلة حماية حقيقية.
هذا العمل يحمل في طياته مخاطر كبيرة تعيشها النساء وحدهن، حيث يدخلن إلى بيوت مختلفة للعمل وتأدية مهام التنظيف والعناية بالمرضى وكبار السن، أو الطبخ ومهام منزلية أخرى، ويواجهن نمطاً من التعنيف اللفظي والمادي وأحياناً الجسدي، من دون وجود نظام شكوى واضح أو إجراءات تضمن كرامتهن وسلامتهن.
ولاقت هذه المهنة رواجاً واسعاً في البلاد، ووفرت فرص عمل لأعداد كبيرة من العراقيات، خاصة مع تفضيل العاملة العراقية، على نظيرتها الآسيوية في أعمال منزلية مختلفة.
رواتب النساء العاملات في المنازل
وتوفر هذه المهنة دخلاً مالياً يتراوح بين 300 إلى 500 دولار شهرياً، ورغم انتشار هذه المهنة في بغداد والمحافظات، فإن قصص العاملات غالباً ما تبقى طي الكتمان، خوفاً من فقدان مصدر الرزق أو انتقام أصحاب البيوت، فيما تتجنب الكثير من العائلات الحديث عن الانتهاكات التي تحدث داخل منازلها.
أم سعد (41 عاماً) عاملة تنظيف تقول، إنها تعمل منذ سبع سنوات في منازل مختلفة داخل بغداد وتتقاضى أجراً يومياً يتراوح بين 20 و25 ألف دينار (نحو 17 دولاراً) لكنها تعتبر نفسها “محظوظة” مقارنة بعاملات أخريات.
وتضيف ام سعد: أن “إحدى العائلات احتجزت هاتفها المحمول لساعات كي لا تتواصل مع أحد بينما كانت تعمل في الطابق العلوي وحدها”.
مؤكدة أنها تعرضت لمضايقة كلامية من ربّ الأسرة لكنها فضّلت المغادرة من دون تقديم شكوى خوفاً من خسارة مصدر رزقها الوحيد.
استغلال في العمل
سارة البالغة من العمر 33 عاماً والتي تعمل طباخة في مناسبات منزلية تقول : إنها واجهت استغلالاً من نوع آخر كانت تعمل في حفلات صغيرة داخل البيوت، حيث إن بعض العائلات كانت تطلب منها العمل لساعات تمتد إلى منتصف الليل من دون دفع أي بدل إضافي.
وتتابع أنها تعرضت في إحدى المرات لتفتيش حقيبتها قبل المغادرة لأن أحد أفراد العائلة فقد قطعة مجوهرات لتكتشف لاحقاً أنها كانت موضوعة في مكان آخر.
مبينة أن هذا الحادث جعلها تشعر بالإهانة، لكنها لم تستطع الاعتراض “لأن العمل هو مصدر رزقي الوحيد ولا يوجد قانون يحميني”.
غياب القوانين الناظمة
وفي المقابل تقول أم ضياء وهي ربة منزل تستعين بعاملات موسميات إن المشكلة ليست في أصحاب البيوت فحسب، بل في غياب أي جهة تنظّم هذا النوع من العقود.
وتوضح أنها تفضّل التعامل مع نساء معروفات عبر معارف أو جيران لأن غياب الإطار القانوني يجعل العلاقة قائمة على الثقة الشخصية فقط، وأن بعض العائلات تخشى إدخال امرأة غريبة إلى المنزل بينما تخشى العاملات من الاستغلال في البيئة ذاتها، أي أن الطرفين بلا حماية ولا توجد جهة تشرف على هذه العلاقات.
أبو حسين موظف حكومي يستعين بعاملة تنظيف أسبوعية يقول : إن كثيراً من الرجال والنساء يسيئون معاملة العاملات بسبب النظرة الدونية لطبيعة عملهن.
كما أن الأجر المتدني وساعات العمل الطويلة وعدم وجود عقود واضحة يجعل العاملات في وضع هشّ للغاية.
مؤكداً أن “وجود إطار قانوني سيضمن حقوق الطرفين ويمنع أي تجاوزات”.
وفي ظل غياب قانون يرعى حقوق العمل المنزلي، ومع انحسار دور النقابات، تبقى نساء الأجر اليومي في منطقة رمادية، لا يمكن تصنيفهن عاملات رسميّات ولا عاملات منزليات بعقود واضحة، وما يزيد هشاشة وضعهن أن معظمهن معيلات لأسر، ما يجعلهن يقبلن ظروفاً قاسية خوفاً من فقدان الدخل.
غياب الإطار القانوني
ويرى القانوني حيدر الربيعي أن العراق لا يمتلك حتى الآن تشريعاً خاصاً بالعمل المنزلي.
وأوضح، أن حماية العاملات تخضع لقواعد عامة مثل قانون العقوبات العراقي ومواد التحرش والاعتداء. وأبرزها المادة 402 التي تجرّم التعرض للمرأة بأفعال مخلة بالحياء.
وتابع، إضافة إلى وجود حماية عامة ضد الحجز القسري والتهديد بموجب المادتين 421 و430.
لكنه يؤكد أن هذه المواد لا تكفي لأنها تأتي بعد وقوع الانتهاك، بينما المطلوب بحسب قوله أن “يكون هناك قانون عمل منزلي واضح ينظم الأجور، وساعات العمل، وآلية التعاقد، ومسار الشكوى، ويوفر غطاءً قانونياً لعشرات الآلاف من النساء اللواتي يعملن في الظل بلا أي حماية”.
استغلال العاملات
ويشير الربيعي الى أن “غياب التشريع هو ما يجعل العاملات عرضة للاستغلال، ويجعل كثيراً من الانتهاكات تمر من دون محاسبة، لأن القانون لا يعترف حتى الآن رسمياً بعملهن ولا يحدد حقوقهن أو واجبات أصحاب المنازل وهو فراغ تشريعي حقيقي تنبغي معالجته”.
دائرة العمل والتدريب المهني في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ترى أن العمل المنزلي في العراق ما يزال “منطقة رمادية” قانونياً، وإن الوزارة تعمل على إعداد رؤية لتنظيمه ضمن مبدأ “العمل اللائق”، لكنها تعترف بأن العاملات اليوميات داخل المنازل لا يتمتعن بأي حماية قانونية مباشرة.
ويشير مدير قسم التدريب زياد حسين إلى “وجود شكاوى محدودة ترد إلى مكاتب الوزارة لكنها غالباً بلا أدلة كافية بسبب طبيعة العمل داخل البيوت”، مؤكداً أن “تنظيم هذا القطاع بات ضرورياً لحماية النساء من الاستغلال وحماية الأسر أيضاً من أي تجاوز محتمل”.
الشرطة المجتمعية
وتؤكد الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية أن قسماً من العاملات يتعرضن لمضايقات لفظية أو محاولات استغلال، وأن البلاغات موجودة لكنها أقل بكثير من الواقع بسبب خوف النساء من التبليغ وعدم ثقتهن بالإجراءات”.
ويقول مصدر من الشرطة المجتمعية “أن الشرطة المجتمعية بجميع أقسامها تقوم بإجراء اللازم بعد تسجيل شكوى مع وجود أدلة، وفي حالات تعرّضت فيها عاملات للابتزاز أو لاقتطاع الأجور قسراً.
موضحاً أن دورها يقتصر على المعالجة الاجتماعية والتسوية أو إحالة القضايا إلى القضاء عند وجود اعتداء صريح”. ويضيف أن “طبيعة العمل داخل أماكن مغلقة تجعل إثبات الانتهاكات أمراً بالغ الصعوبة، ما يستدعي قوانين ردع وحماية”.

