شفقنا العراق-حماية المستهلك تواجه تحديات كبيرة في السوق العراقية، حيث انتشار الإعلانات الاحتيالية والعروض الوهمية بات يهدد المواطنين، في ظل فجوات تشريعية واضحة وضعف الرقابة الحكومية، ما يجعل المستهلك الطرف الأكثر عرضة للاستغلال.
تشهد السوق العراقية اتساعاً غير مسبوق في حجم الاعلانات المضللة والعروض الوهمية والاحتيالية، في ظل فجوات تشريعية واضحة وضعف ملحوظ في آليات الرقابة الحكومية، ما جعل المستهلك الطرف الأكثر عرضة للاستغلال.
ورغم التطور الكبير في أساليب التسويق والخدمات الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة، فإن قانون حماية المستهلك العراقي لا يزال قاصراً عن مواكبة هذه المتغيرات، ولا يقدم الإطار القانوني الكافي لضبط الأنشطة التجارية أو محاسبة الجهات التي تستخدم وسائل الخداع للترويج لسلعها وخدماتها.
ـين الخلل؟
يقول مختصون أن غياب التنظيم القانوني الصريح للممارسات الاعلانية، وابتعاد الجهات التنفيذية عن أداء دورها الرقابي وضعف القانون الحالي لحماية المستهلك، أسهمت في خلق بيئة تشجع على الاحتيال والخداع؛ في وقت تتجه فيه الدول إلى تعزيز تشريعاتها بما يطابق التحولات الرقمية والتقنيات الحديثة.
لا يواكب التطورات
في هذا الصدد، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، رائد الساعدي أن “الإطار التشريعي الحالي لحماية المستهلك في العراق لم يعد قادراً على مواكبة حجم التحديات والممارسات التي يشهدها السوق”، مشيراً إلى أن القانون بصيغته الحالية يوفر حماية محدودة للغاية، ولا يتضمن المعايير الحديثة التي تعتمدها أغلب الدول لضمان حقوق المستهلك ومنع استغلاله”.
وقال الساعدي إن السوق العراقية “أصبحت بيئة خصبة لانتشار الإعلانات المضللة والعروض الوهمية، في ظل غياب نصوص واضحة تنظم المسؤولية القانونية للإعلانات أو تفرض شفافية في ترويج الخدمات والمنتجات، ما يجعل المستهلك الطرف الأضعف في أي تعاقد أو معاملة تجارية”.
وأضاف أن “ضعف القانون والرقابة أدى إلى توسّع الشركات غير المرخصة التي تستغل حاجة المواطنين، سواء في مجال القروض أو الخدمات الرقمية أو العروض التجارية، من دون أن يكون هناك إطار قانوني قادر على ضبط هذه الأنشطة أو محاسبة المخالفين”.
القصور التشريعي
وأوضح أن هذا القصور التشريعي “لا ينعكس على حماية المستهلك فحسب، اذ يترك تأثيرات مباشرة على بيئة الأعمال، ويفقد السوق عنصر الثقة الذي يمثل أساساً لأي نشاط اقتصادي مستقر”.
وبيّن الساعدي أن “معظم الدول المتقدمة طورت تشريعات حماية المستهلك بشكل دوري، وبما ينسجم مع التطور السريع في أساليب التسويق والخدمات الإلكترونية، بينما لا يزال العراق يعتمد قوانين قديمة لا تغطي سوى جزئية من المشكلات الراهنة”.
ولفت إلى أن “عملية تحديث التشريعات في العراق تعاني بطئاً واضحاً وغياباً للتنسيق بين الجهات المعنية، فضلاً عن غياب الدراسات الاقتصادية والقانونية التي يجب أن تسبق أي عملية تشريع لضمان معالجة الثغرات الحالية وعدم إعادة إنتاجها”.
وختم الساعدي حديثه بالتأكيد على أن “حماية المستهلك عنصر أساسي في بناء اقتصاد صحي يتسم بالشفافية والمنافسة العادلة”، داعياً الحكومة إلى “تبني مشروع متكامل لتعديل القانون الحالي، وتعزيز الرقابة، وإطلاق برامج توعية واسعة تمكّن المواطن من معرفة حقوقه وآليات الشكوى، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعمول بها في هذا المجال”.
سوق مفتوحة امام الاحتيال والتلاعب
من جهته، أكد الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسين أن قانون حماية المستهلك في العراق لا يزال بعيداً عن أداء وظيفته الأساسية، وأن مستوى الحماية الفعلية في السوق لا يتجاوز نسبة محدودة للغاية، ما سمح بانتشار ممارسات مضللة تستغل حاجة المواطنين وضعف الوعي القانوني لديهم.
وقال إن واحدة من أبرز الإشكالات “تتمثل في غياب الرقابة الحقيقية، فمثلاً هناك جمعيات وشركات تروّج لسلف وقروض وهمية تحت أسماء مصارف حكومية معروفة، في حين لا تربطها بهذه المصارف أي صلة رسمية، وهو ما تأكدنا منه عبر زيارات ميدانية لجمعيات ترفع شعار “التسهيلات المصرفية”، بينما تعتمد على أساليب احتيالية توقع آلاف المواطنين يومياً في فخ التزامات مالية خطرة”.
وأوضح أن هذه الجهات “تستغل بساطة المستهلك وتطالبه بتسليم بياناته وبطاقته الالكترونية والتوقيع على عشرات الأوراق دون أي وعي قانوني، ما يعرضه لاحقاً لمشكلات مالية وقضائية قد تصل إلى مراحل متقدمة، في ظل غياب شبه تام لرقابة الدولة على مثل هذه الأنشطة”.
ويرى حسين أن “المستهلك العراقي يعيش في سوق مفتوحة بلا حماية فعلية، فيما تبقى نصوص القانون حبيسة الأدراج ولا تصل إلى الناس، لأن الجهات المعنية لا تعمل على توعية المواطنين بحقوقهم ولا تشرح القوانين أو القرارات التي تصدرها، الأمر الذي يجعل الفجوة كبيرة بين التشريع والواقع”.
آليات التطبيق
وأضاف أن “مقارنة القانون العراقي مع قوانين حماية المستهلك في دول أخرى تكشف ضعفاً واضحاً في آليات التطبيق وعدم وجود منظومة رقابية رادعة، فالقوانين في معظم الدول تقوم على الشفافية والرقابة الفعلية ونظام الشكاوى الفعّال، بينما يعاني العراق من بطء في التعامل مع الانتهاكات اليومية، ومن غياب جهة واحدة تتحمل مسؤولية المتابعة والمحاسبة”.
وبيّن أن تطوير قانون حماية المستهلك “لم يعد خياراً، بقدر ما اصبح ضرورة، لأن استمرار هذا الواقع سيعمّق الفوضى الموجودة في السوق ويفتح المجال أمام مزيد من الشركات الوهمية والممارسات التضليلية التي تضرب المواطن قبل أي جهة أخرى”.
غير أن العائق الحقيقي، حسب رأيه، لا يكمن في صياغة التشريعات ومعالجة الثغرات فحسب، بقدر ما يكمن في ضعف الإرادة التنفيذية وغياب الرقابة الجدية القادرة على فرض القانون وملاحقة المخالفين”.
وخلص الى القول إن حماية المستهلك يجب أن “تتحول إلى ملف لا يقل أهمية عن الملفات الاقتصادية الأخرى، وأن على الدولة أن تتعامل معه بجدية أكبر بواسطة تعزيز الرقابة، وتطوير التشريعات، وإطلاق حملات توعية واسعة تجعل المواطن قادراً على فهم حقوقه وتحديد الجهات التي يلجأ إليها عند تعرضه لأي تجاوز في السوق”.
ثغرات كثيرة
أكد الخبير القانوني وائل منذر أن قانون حماية المستهلك العراقي لا يتضمن أحكاماً تنظم الاعلانات الكاذبة أو الخادعة، بل يقتصر فقط على ما يتعلق بالغش والتدليس وإخفاء حقيقة المواد والمواصفات، إضافة إلى الترويج لسلع غير مطابقة للمواصفات القياسية.
وقال منذر أن هذا الفراغ القانوني “يجعل من الصعب مساءلة الشركات في حالات تتعلق بالتضليل الإعلاني”، مؤكداً أن “ما قامت به شركة “كي كارد” – في الواقعة المتداولة مؤخراً – لا يمكن اعتباره مخالفة لقانون حماية المستهلك، لكون القانون نفسه لا يتضمن نصوصاً تعالج هذا النوع من السلوكيات”.
وأضاف أن “معظم الدول تمتلك منظومات قانونية متكاملة لحماية المستهلك، تعتمد على تحديث مستمر يشمل كل ما يطرأ من ممارسات جديدة في السوق، بينما يفتقر العراق إلى تشريعات تغطي التفاصيل الدقيقة، وهو ما يترك مساحة واسعة للممارسات الخادعة دون إطار قانوني رادع”.
ونبه الى ان عملية التشريع في العراق “لا تمر عبر دراسات ونقاشات معمقة من قبل مختصين أو جهات معنية، ما يؤدي إلى ظهور ثغرات قانونية تجعل من الصعب محاسبة الشركات عند وقوع مثل هذه الاشكالات”.

