شفقنا العراق-القبة الخليجية تدخل مرحلة التنفيذ المتقدم عبر دمج الرادارات وشبكات القيادة والسيطرة في إطار دفاعي إقليمي موحد، بينما يجد العراق نفسه خارج هذه المنظومة بفعل أزماته السياسية والهيكلية التي تمنعه من تبني التزامات دفاعية واسعة.
في اللحظة التي أعلنت فيها دول الخليج تسريع العمل على “القبة الصاروخية المشتركة”، بدا واضحاً أن مشروعاً يتجاوز وصفه بالتعاون العسكري قد بدأ يتشكّل في الإقليم، وأن المنطقة مقبلة على هندسة أمنية جديدة لا تتعلق بمنظومات اعتراض أو قدرات تقنية فحسب، بل بإعادة ترتيب ميزان القوى السياسي والاستراتيجي، ورسم خطوط اصطفاف لا تقبل الالتباس بين الأطراف المختلفة، فيما يقف العراق—الذي كان ذات يوم محورياً في فكرة الأمن الخليجي ومشاركاً في المداولات المبكرة التي سبقت ولادة مجلس التعاون نفسه قبل أن يستبعد لاحقاً بفعل اصطفافاته الإقليمية المتغيرة—خارج هذه الدائرة تماماً، وكأن معمار الأمن الإقليمي يعاد بناؤه على مسافة من الدولة التي كانت سماؤها أول سماء في المنطقة تختبر بالهجمات الجوية والاختراقات المتقدمة.
ویقول الخبير في الشأن الاستراتيجي علي ناصر أن “العراق يبدو بعيداً عن التعاون العسكري مع بعض دول الخليج العربي، إضافة إلى محدودية إمكانية تزويده بمنظومات دفاع جوي متقدمة من الخارج”،
موضحاً أن “السياسة الإقليمية للعراق ووضعه الجيوسياسي المختلف يجعلان من الصعب الالتحاق باتفاقيات إقليمية قد تفرض التزامات لا يستطيع العراق تحملها مالياً أو سياسياً، في ظل اقتصاد متذبذب ورؤية اقتصادية غير مستقرة على المدى المتوسط والبعيد”.
جوهر المعضلة
هذه الإشارة تختزل جوهر المعضلة؛ فالعراق لا يواجه فقط نقصاً في القدرات الدفاعية، بل أزمة موقع في خريطة الإقليم، نتيجة تموضعه الطويل داخل محور إيران وما ترتب على ذلك من ابتعاد تلقائي عن منظومة مجلس التعاون.
وفي خلفية المشهد، يبقى السؤال الأكثر حساسية: لماذا يبقى العراق خارج مشروع دفاعي إقليمي، رغم أن الهجمات التي تستعد دول الخليج لردعها مستقبلاً، قد وقعت فعلياً فوق سماء بغداد أولاً؟ ولماذا يعاد بناء معمار أمني جديد لا يكون البلد الذي تلقى الضربات المبكرة جزءاً منه؟
الإجابة تكمن في أن القبة الخليجية ليست خطة طوارئ عسكرية، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد، يحتاج دولاً قادرة على امتلاك جيش موحد العقيدة، ومؤسسات ثابتة القرار، ورؤية سياسية واضحة حول طبيعة الاصطفاف الإقليمي.
وهذه شروط لا يمتلك العراق مقوماتها اليوم، إذ ما زالت بنية الدفاع الجوي الوطنية في طور التكوين، والرادارات غير موحّدة، والقرار الأمني موزع بين مؤسسات متعددة لا تتفق بالضرورة على تعريف واحد للتهديد.
ويضيف علي ناصر أن “العراق يحتاج إلى ترتيب وضعه الداخلي أولاً، قبل التفكير بالذهاب إلى أي اتفاقات دولية أو إقليمية”،
الانقسامات السياسية
مؤكداً أن الدولة العراقية لا تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية، ومعالجة الانقسامات السياسية التي تجعل اتخاذ قرار استراتيجي كبير، مثل الانضمام إلى منظومة صاروخية مشتركة، خطوة شبه مستحيلة في الظرف الحالي.
ويشير إلى أن “الصورة قد تتضح أكثر في السنوات المقبلة حين تستكمل الدولة إصلاحاتها المؤسسية والسياسية والاقتصادية”، بما يوحي أن المشكلة ليست رفضاً للعراق، بل غياباً لشروط الاندماج.
وبينما تتقدم القبة الخليجية بسرعة نحو تكوين منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، يعيش العراق في منطقة رمادية بين الحاجة الملحة لحماية سمائه، وعدم القدرة على اتخاذ القرار السياسي الذي يضعه داخل أي اصطفاف دفاعي.
وبين هذين الحدّين تتوسع الفجوة بمرور الوقت؛ فالدول الخليجية تعزز راداراتها، وتدمج مراكز القيادة والسيطرة، وتنسّق مع القوى الكبرى، بينما لا يزال العراق يعيد تعريف حدود الدولة نفسها، ويتحرك داخل مساحة سياسية لا تسمح له باعتماد موقف واحد من التهديدات الخارجية.
ولذلك، فإن السؤال ليس لماذا لم ينضم العراق إلى القبة الخليجية، بل ما إذا كان يمتلك أصلاً الرؤية والأدوات والمؤسسات التي تسمح له بالانضمام إلى أي قبة دفاعية. فالدفاع الجوي يبدأ من السياسة قبل أن يبدأ من الصواريخ، ومن تحديد العدو قبل شراء منظومات الاعتراض، ومن بناء الدولة قبل بناء المظلة.
وما دام العراق لم يحسم موقعه بين محاور الإقليم، ولم يستعد بنيته الدفاعية، ولم يتحرر من إرث الاصطفاف الذي أخرجَه عملياً من المنظومة الخليجية التي ساهم في تشكيل فكرتها يوماً، فإنه سيبقى خارج القباب جميعها، مهما اتسعت، ومهما ارتفعت فوق سماء المنطقة.

