شفقنا العراق-العمل الحرّ لم يعد مجرد مسار اقتصادي بل تحوّلاً اجتماعياً واضحاً، إذ غيّر نظرة الشباب للوظيفة، وللاستقرار، وللمستقبل المهني.
يشهد سوق العمل تحولا لافتاً مع تزايد توجه الشباب نحو العمل الحر والبحث عن فرصهم في القطاع الخاص، في مقابل تراجعٍ ملحوظٍ في فرص العمل في القطاع الحكومي.
هذا التحول يقلل من حجم الضغوط على الوظائف الحكومية، ويفرض على الشباب التعامل بجدية مع التحذيرات التي يطلقها مسؤولون واقتصاديون، والتي تؤكد أن القطاع العام لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين والراغبين بالتوظيف.
في هذا السياق تتحدث الخبيرة الاقتصادية الدكتورة إكرام عبد العزيز عن “أن الشباب يميلون اليوم إلى البحث عن فرص تتناسب مع مهاراتهم العملية، لا مع شهاداتهم فقط، فالكثير من التخصصات الجامعية لا تنسجم مع احتياجات السوق الحالية، ما يدفع الخريجين إلى العمل في مجالات لا تمت بصلة لتخصصاتهم، مثل الضيافة أو المبيعات أو الخدمات المحلية، ومع محدودية الوظائف الحكومية، يصبح القطاع الخاص مساحة مفتوحة لتطوير المهارات واكتساب الخبرة”.
مؤكدةً “أن العمل في القطاع الخاص لم يعد مجرد خيار، بل أصبح واجباً اقتصادياً في ظل التحولات التجارية العالمية، إذ يحتاج الشباب إلى مهارات ومعرفة قادرة على مواكبة التغيرات المتسارعة في الأسواق”.
فوائد وتحديات
وعن الفوارق التي تجعل الشباب يفاضلون بين القطاعين تضيف عبد العزيز: “هنالك فوائد وتحديات تواجه الشباب، إذ يقدم القطاع الخاص والعمل الحر فرصاً واسعة، لكنه في الوقت نفسه يحمل تحديات تتعلق بالاستقرار وثبات الدخل. ومن أبرز ايجابياته توفير فرص للشباب لتأسيس مشاريع صغيرة أو الالتحاق بشركات ناشئة وتعزيز الابتكار، إذ إن القطاع الخاص لا يحتمل العمل الروتيني بل يتطلب التجديد والإبداع، كما إنه يفتح آفاقاً جديدة للعمل داخل المحافظات بدلاً من الهجرة إلى العاصمة”.
إلا أن التحديات – حسب عبد العزيز -“تبقى حاضرة، منها تأثر فرص العمل بالدورات الاقتصادية وتقلبات الأسواق، وغياب الامتيازات التي يوفرها العمل الحكومي مثل التأمين الصحي والإجازات والتقاعد.
ورغم ذلك، يبقى دخول الشباب إلى سوق القطاع الخاص فرصة للتعلم من الحياة العملية، واكتساب المرونة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع الزبائن وتقديم الخدمات”.
مشيرةً إلى أن “كثيرين ينظرون إلى العمل الحر بوصفه أحد أهم الحلول الواقعية للحد من معدلات البطالة، فكلما توسعت رقعة الأعمال الخاصة، زادت قدرة السوق على استيعاب أعداد أكبر من الشباب، وتراجعت رغبتهم في الهجرة بحثاً عن فرص”.
واختتمت حديثها قائلة: “يعد الوصول السهل للوظائف عبر الإنترنت ومنصات العمل الحر عاملاً مهماً يدعم هذا التوجه، ويمنح الشباب مرونة تسمح لهم بالتوفيق بين العمل والدراسة، كما يسهم ذلك في خلق جيل من رواد الأعمال القادرين على الابتكار وتطوير مشاريع تتناسب مع متطلبات الأسواق المحلية والعالمية”.
توجّه ملحوظ
يوضّح أحمد مهدي صاحب منصة إعلامية مستقلة – وهي واحدة من المشاريع الإلكترونية الخاصة الرائجة- أن “فكرة المنصة جاءت في وقت كانت فيه قلة واضحة بالمنصات داخل العراق، فحرصنا على تقديم لمسة إعلامية بالسوشيال ميديا، بوصفنا شركة مستقلة تماماً لا ننتمي لأي جهة حكومية أو حزبية، ونحن إلى ذلك نتعامل فقط مع مستقلين وشركات اقتصادية خاصة، في إطار دعم القطاع الخاص داخل العراق”.
وعمّا إذا كان الشباب ما زالوا يهدرون وقتهم بانتظار العمل الحكومي يؤكد مهدي أن هناك تزايداً ملحوظاً في توجه الشباب العراقي نحو القطاع الخاص؛ لأنه يمنح حرية أكبر، “فالعمل الحر يساعد الشباب فعلياً على تنمية مهاراتهم وفي توفير دخل إضافي مهم، ويمكن أن يتحول إلى دخل أساسي إذا دعّمته الحكومة بامتيازات وضمانات مناسبة، لكن هذا القطاع ما زال يواجه تحديات تحتاج الحكومة لمعالجتها؛ أبرزها حثّ الشباب على التسجيل في الضمان وغيرها”.
لافتاً إلى أن العالم كله يتجه إلى العمل الحر والابتعاد عن الروتين الحكومي، ومستقبل هذا القطاع في العراق يمكن أن يكون قوياً إذا تم بناؤه على تشريعات واضحة وقوانين جيدة.
ووجّه مهدي رسالة إلى الشباب، قائلاً: “أنصحهم، لا سيما عند تخرجهم، بالتوجه مباشرة إلى سوق العمل، ورغم ضعف التأهيل الجامعي إلا أنهم، وعبر دورات مهنية، يمكن لهم الانطلاق الصحيح، فالقطاع الخاص قادر على تنمية مهاراتهم وتهيئة وسائل نجاحهم”.
التدريب والاستثمار
من جانبه تحدّث مدرب المهارات حسين عبد الكريم بأن نسبة قليلة من الشباب يلجؤون للتدريب ويستثمرون في هذا المجال، إذ أغلبهم يبحثون عن تدريب مجاني ولا يرغبون بدفع مبلغ الورشة، وهم إلى ذلك يتوقعون إيجاد عمل بسرعة وبراتب عالٍ جداً، وهم لا يملكون خبرة ولا مهارة مكتسبة ولا “سِي ڤي” احترافياً.
ويضيف عبد الكريم “أن أغلب الشباب يفتقرون لأهم المهارات التي تساعدهم في إيجاد العمل، وفي مقدمة هذه المهارات فن التفاوض والإلقاء، وأخيراً ما يسمّى بـ”البيرسونال براندنغ” وهي عملية بناء وتطوير صورة مميزة ومصداقية لشخص في مجاله المهني”.
وأكد عبد الكريم أن أهم المهارات التي يجب اكتساب واحدة منها – في الأقل – لضمان مستقبل مريح ومستقر هي المهارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والبرمجة والتسويق.
ويكشف عبد الكريم عن فشل أغلب الشباب في معرفة كيفية التسويق لأنفسهم بالطريقة الصحيحة، وابتعادهم عن تعلّم المهارات القابلة للانقراض مثل الترجمة النصية وإعلانات السوشيال ميديا، ولجوئهم إلى إتقان المهارات الحديثة.
الخيارات محدودة
تحدثت الموظفة في القطاع الخاص رسل عقيل عن تجربتها في سوق العمل، مشيرةً إلى أن الخيارات المتاحة أمام الخريجين شحيحة، إلا أن محدودية الفرص في القطاع الحكومي تدفع الشباب للاتجاه نحو الشركات الخاصة.
وقالت عقيل إن “القطاع الخاص أصبح الوجهة الأكبر لاستقطاب الشباب، فالغالبية من الخريجين يدخلون إليه لعدم امتلاكهم الخبرة المطلوبة ولحاجتهم الماسّة إلى فرصة عمل”.
وبينت أن العديد من الشركات تعتمد أسلوب تدريب الموظفين الجدد وفق منهجها الداخلي، موضحةً: “بعض الشركات لا تشترط الخبرة السابقة، لأنها تفضّل تدريب الموظف على الطريقة التي تتناسب مع سياسة العمل لديها”.
وأضافت أن الجهد المبذول في القطاع الخاص يكون عادةً أعلى من القطاع الحكومي، لكن في المقابل فإن الرواتب والحوافز المالية تكون أفضل، ما يجعل الكثير من الشباب يرون فيه بيئة عمل مجزية.
وأكدت عقيل أن القطاع الخاص يمنح الموظف فرصة أكبر للتعلم والتطور، بخلاف الوظائف الحكومية التي وصفتها بأنها غالباً ذات طابع روتيني.
وتابعت قائلة: “العمل في القطاع الخاص يشكّل إضافة حقيقية للموظف، فهو يساعده على تطوير مهاراته وتعلّم مهام متعددة، وهو مناسب جداً لمن يسعى إلى بناء خبرة واسعة وتجنب الروتين اليومي”.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن القطاع الخاص بات يمثل خياراً عملياً للشباب الطموح، خاصة لأولئك الذين يرغبون بالعمل المتنوع واكتساب الخبرة.

