شفقنا العراق-مؤشر الجريمة يضع العاصمة في مرتبة “متوسطة”، لكن التفاصيل تكشف صورة مختلفة تماماً؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطات عن انخفاض الجرائم، تعيش بغداد على وقع جرائم أسرية متصاعدة، ونزاعات عشائرية دامية، وانتشار شبكات المخدرات، وهو ما يجعل الخريطة الأمنية للعاصمة أكثر تعقيداً مما تتيحه الأرقام المعلنة.
لا شيء يكشف تناقض بغداد الأمني مثل سؤال بسيط: كيف يمكن لعاصمة تعيش يومياً على وقع نزاعات عشائرية دامية، وجرائم أسرية متصاعدة، وانتشار لافت للمخدرات، وتوقيفات مرتبطة بابتزاز إلكتروني و”جرائم سوشيال ميديا”، أن تظهر في المؤشرات الدولية بوصفها مدينة “ذات معدل جريمة متوسط” فقط؟
السؤال يبدو أشبه بمفارقة، خاصة أن بغداد جاءت الثانية عربياً والـ96 عالميا في مؤشر الجريمة لعام 2025، أي أنها لا تزال في منطقة الخطر، حتى لو حاولت الأرقام المحلية ترويض هذا الواقع.
فالمدينة التي شهدت خلال العام وحده عشرات النزاعات العشائرية التي انتهت بضحايا من المدنيين وأفراد القوات الأمنية، لم تغادر بعد دائرة السلاح المنفلت وحضور الجماعات المسلحة وعمليات الثأر.
ويكفي تتبع أخبار القضاء ووزارة الداخلية خلال الأشهر الماضية لرصد سلسلة واسعة من الجرائم الأسرية، وعمليات قتل بدوافع نفسية أو مالية، وارتفاع ملحوظ في قضايا العنف ضد المرأة.
شبكات ترويج المخدرات
ويتوازى ذلك مع تمدد واضح لشبكات ترويج المخدرات في أطراف العاصمة وبعض أحيائها المكتظة، في وقت أصبحت فيه الجرائم الإلكترونية – من تهديد وابتزاز وتشهير – جزءاً ثابتاً في نشرات أمن بغداد اليومية.
هذا الوجه المتوتر للمدينة يجعل الكثيرين يعتبرون أن التصنيف الدولي لا يجامل بغداد حين يضعها في مرتبة متقدمة عربياً، بل يظهر استمرار معضلاتها البنيوية: سلاح خارج الدولة، ضعف الردع الاجتماعي، هشاشة البنى القضائية، وانتشار اقتصاد الظل.
فالخريطة الأمنية للعاصمة لم تصل بعد إلى درجة الاستقرار التي تجعلها مدينة منخفضة الجريمة، مهما حاولت بعض المؤشرات رسم منحنى أقل قتامة.
لكن هذا المشهد ليس كاملاً من دون الصورة المقابلة. فبيانات وزارة الداخلية تتحدث عن انخفاض بنحو 13% في الجرائم خلال 2025 مقارنة بـ2024، وهو ما يؤكده الخبير الأمني اللواء المتقاعد جواد الدهلكي موضحاً أن هذا التراجع يعود إلى “توسع العمل الاستباقي، وزيادة فعالية الرقابة في مناطق الكرخ والرصافة، وانكماش واضح في جرائم السطو والسرقة والمخدرات في عدد من الأحياء الحيوية”.
ويشير الدهلكي إلى أن التحسن لم يأتِ من فراغ، بل من انتقال الأجهزة الأمنية من “إدارة الفوضى” إلى “العمل الوقائي”، عبر شبكة كاميرات مركزية، وتحسين قواعد البيانات، ورفع مستوى الترابط بين الشرطة المحلية والاستخبارات.
شبكات الترويج الإلكتروني
هذا التحول جعل بعض الجرائم ذات الطابع المنظم تتراجع، كما ساعد على كشف شبكات الترويج الإلكتروني وضبط جزء من تجارة المخدرات.
ومع ذلك، يظل السؤال الأعمق: هل يكفي انخفاض بنسبة 13% ليغيّر حقيقة أن بغداد ما تزال في المركز 96 عالمياً والثانية عربياً؟ وهل يمكن لمدينة تعيش صراعاً يومياً بين الدولة وقوى المجتمع التقليدية أن تقفز فجأة إلى مستويات أمان أعلى، بينما النزاعات العشائرية وحدها قادرة على تعطيل أحياء كاملة وإخراج آلاف العائلات من منازلها في بعض الحالات؟
التحليل المقارن يوضح أن الصورة الدولية تتشكل عادة من تراكم طويل، لا من سنة واحدة.
فالعاصمة التي عاشت عقدين من الإرهاب والميليشيات والاقتتال الداخلي، تحتاج إلى زمن أطول كي تغير صورتها في المؤشرات العالمية.
ثم أن نوعية الجرائم نفسها في بغداد تختلف عن المدن العربية الأخرى:
– في دمشق، ترتبط الجريمة بانهيار الدولة اقتصادياً واجتماعياً.
وفي القاهرة، يغلب عليها الطابع الاقتصادي والسكاني.
– في الدار البيضاء وتونس، تأخذ شكلاً حضرياً يتعلق بالبطالة والهجرة.
أما بغداد، فتمتزج فيها الجريمة الانثروبولوجية التقليدية (العشائر، الثأر، النزاعات) مع الجريمة الحديثة (المخدرات، الابتزاز الإلكتروني، السلاح المنفلت، اقتصاد الظل)، وهذا ما يجعلها حالة مركبة يصعب قياسها ضمن مؤشر واحد.
ولذلك، تبدو الصورة في 2025 مزدوجة:
فمن جهة، تستمر بغداد في مواجهة بنية اجتماعية وأمنية هشّة تعيد إنتاج الجريمة بأشكال متعددة، وتضعها في مرتبة عربية متقدمة على الرغم من كل الجهود.
ومن جهة أخرى، تتقدم الأرقام الرسمية لتقول إن المدينة تتحسن، وإن الإجراءات الحكومية بدأت تمنح السكان شعوراً أعلى بالأمان مقارنة بالسنوات السابقة.
لكن الحقيقة الأكثر وضوحاً أن بغداد ما تزال تقف في منتصف الطريق: ليست مدينة منهارة أمنياً كما كانت قبل سنوات، وليست مستقرة بما يكفي للخروج من قائمة المدن ذات الجريمة المتوسطة. وهي مرحلة انتقالية تتطلب وقتاً أطول، وعملًا مؤسساتياً أعمق، وقراءة أكثر واقعية لطبيعة الجريمة وتطورها داخل العاصمة.
وبين هاتين الرؤيتين، تقف بغداد كمدينة تحاول استعادة تعريف نفسها: مدينة ترفض أن تقرأ من خلال ماضيها فقط، لكنها لم تنتصر بعد على حاضرها بالكامل.

