شفقنا العراق-الفساد المالي في العراق لم يقتصر على سرقة المال العام فحسب، بل غيّر قواعد الاقتصاد والسياسة، حيث أدى إلى خلق مليارديرات جدد وإفلات أصحاب النفوذ من العقاب، وتعميق فجوة العدالة الاجتماعية، ما يستدعي إصلاحات جذرية لمواجهة هذا التوحش المال.
وأنت تتابع أخبار الفساد المالي وجرائم إهدار المال العام ونهب ثروات العراق وأصوله، لا تملك سوى أن تفتح فمك عن آخره وتفرك عينيك بقوة، وذلك بعدما أصبح الفساد المنظم داخل الدولة النفطية عابراً للقارات، وتوحش بقوة في السنوات الأخيرة وتحديداً منذ الاحتلال الأميركي لبغداد في عام 2003، لدرجة وضعت العراق ضمن أعلى الدول في معدلات الفساد الإداري والمالي، لينضم إلى أفغانستان والصومال واليمن والسودان وليبيا حسب إحصاء باروميتر للفساد.
وبات الفساد يبتلع موارد الدولة الضخمة خاصة من العائدات النفطية، وذلك بعدما تغول داخل دوائر صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وتوالت فضائح الفساد المتلاحقة التي ما إن يتم الكشف عن واحدة حتى تلحق بها أخرى، وتكشف التحقيقات عن تورط قيادات كبرى وشخصيات نافذة في الدولة ومسؤولي مليشيات وأحزاب. يرافق ذلك تلكؤ حكومي واضح يصل إلى حد التواطؤ في استعادة الأموال المنهوبة داخليا والمهربة خارجيا.
صندوق الرعاية الاجتماعية
قبل أيام، خرج علينا وزير العمل والشؤون الاجتماعية في العراق أحمد الأسدي ليتحدث عن اختفاء مبلغ مالي ضخم من صندوق الرعاية الاجتماعية يقدر بنحو 1.5 مليار دولار.
رقم يعد طبيعيا في بلاد الرافدين مقارنة بحالات الفساد الأخرى التي تشهدها الدولة العراقية من وقت لآخر، رغم أنه يشكل صدمة كبرى في دول أخرى، بل وقد يسقط حكومات كبرى ويغيب قيادات ومسؤولين وراء قضبان السجون لسنوات طوال، لكن في العراق بات خبرا عاديا في ظل تكرار الأرقام الضخمة المتعلقة بالفساد وسرقة مليارات الدولارات من خزينة الدولة والسطو على مواردها دون عقاب رادع.
وبنظرة لقضايا الفساد في العراق، نجده متجذراً داخل الجهاز الإداري للدولة ويمتد لكل المؤسسات والصفقات العامة والمزادات، بداية من مشروعات البنية التحتية وسكك الحديد والطرق والكباري والمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والصرف الصحي والمياه، والأهم قطاع النفط، بذراعيه النفط والغاز، وهو النشاط الحيوي الذي تعتمد عليه الدولة في توليد الموارد الدولارية وتدبير احتياجات الواردات وسداد أعباء الدين الخارجي.
جامبو
ويتداول العراقيون ملفات فساد “جامبو” منها استيلاء المليشيات والأحزاب على عقارات الدولة، وسرقة النفط من الأنابيب بشكل مباشر، وآلاف المشروعات والعقود الوهمية والورقية، ومئات الآلاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتب من عدة مؤسسات في وقت واحد، كما تم الكشف عن أكبر صفقة فساد في تاريخ سكك حديد العراق منذ تأسيسها عام 1916 والتي تم خلالها نهب مليارات الدولارات من موارد الدولة.
ومن منا لا يحفظ واحدة من أبرز قضايا الفساد في العراق وهي قضية “سرقة القرن”، التي تمت خلالها سرقة نحو 2.5 مليار دولار من أموال هيئة الضرائب، أو لا يتذكر التصريح الشهير الذي أطلقه رئيس هيئة النزاهة الأسبق القاضي رحيم العكيلي، بأن الفساد ابتلع أكثر من 600 مليار دولار منذ عام 2003، وأن مافيات العراق تجاوزت مافيات إيطاليا وباتت مضرب مثل في العالم،
أو التصريحات المنسوبة لنائب البرلمان رحيم الدراجي، وعضو لجنة النزاهة في البرلمان، بأن هناك أكثر من خمسة آلاف عقد أبرمتها الدولة مع شركات وهمية وأسفرت عن إهدار 228 مليار دولار في مشاريع بناء وبنى تحتية، على الورق فقط، وهي قيمة تفوق بثلاث مرات الموازنة الوطنية وإجمالي الناتج المحلي للبلاد؟
هذا الفساد أحدث تغيرات دراماتيكية في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل العراق، فقد خلق شريحة من المليارديرات الجدد ومحدثي النعمة، ورفع درجة الجرأة في الاعتداء على المال العام بعدما تابع الرأي العام قضايا فساد تورط فيها رؤساء وزراء ووزراء سابقون وهم يفلتون من العقاب بعدما نهبوا مليارات الدولارات، وإفلات أصحاب نفوذ ومليشيات وفصائل مسلحة من العقاب رغم إدانتهم قضائيا بتهم نهب أراضي الدولة وعقاراتها والاستيلاء على المال العام.

