شفقنا العراق-ضعف الإنترنت في العراق يظهر معركة مستمرة بين مشاريع الألياف الضوئية الحكومية وبين سوق محلي يعبث بالسعات ويعيد توزيعها بشكل يشوّه الخدمة، لتبقى تجربة المستخدم أسيرة برج حيّه.
في العراق، تتسارع التحولات الرقمية يوما بعد يوم، لكن الإنترنت يظل متأخرًا عن هذه السرعة.
ورغم أن ملايين المستخدمين يعدونه عنصرًا أساسيًا للحياة اليومية تظل هذه الخدمة بعيدة عن الحد الأدنى المقبول من السرعة والاستقرار.
في واقع يعاني من ضعف البنية التحتية تصبح كل عملية رقمية اختبارًا يوميًا للصبر والمثابرة، سواء في متابعة التعليم عن بعد أو إنجاز الأعمال أو الاستفادة من الخدمات الحكومية الإلكترونية.
في هذه الصورة، تتجلى الإعلانات المتكررة عن مشاريع للألياف الضوئية وتحسين السعات الدولية، لكنها تتصادم مع الواقع نفسه: سرعات متذبذبة، بنية تحتية تثير الاستفهام، شركات تعمل دون رقابة فعلية.
وبينما يزداد الطلب على الإنترنت يومًا بعد يوم، تظل الشبكات القديمة – التي تعتمد في معظمها على النحاس – غير قادرة على مواكبة نمو المنصات الرقمية وأساليب الحياة الحديثة.
في هذا التحقيق، نسلط الضوء على أسباب ضعف الإنترنت في العراق بدءًا من البنية التحتية، مرورًا بدور الشركات المزودة، وتجارِب المستخدم اليومية، مع مقارنة بواقع دول الجوار وتجارب عالمية، لرسم صورة واضحة لما يحتاجه العراق ليصبح قادرًا على تقديم “إنترنت يليق باقتصاده الرقمي” لا مجرد خدمة بالكاد تعمل.
شبكةٌ قديمةٌ في عصر سريع
بينما تتجه دول المنطقة إلى بناء شبكات ألياف ضوئية متكاملة، لا يزال العراق يعتمد – في اغلب مناطقه – على بنية تحتية قديمة تعتمد على النحاس بدل الألياف الضوئية.
وهذا الاعتماد لا يحدّ من السرعة فحسب، بل يجعل الشبكات أكثر عرضة للأعطال، وتذبذب الاستقرار، وتراجع الجودة خلال ساعات الذروة.
ورغم إطلاق مشروع الألياف الضوئية (FTTH) في عدد من المحافظات، إلا أن التنفيذ يسير ببطء، وبعض المناطق لم تتجاوز مرحلة التجربة الأولية.
ويؤدي هذا التباطؤ إلى فجوة واضحة بين التبشير بإنترنت متطور والواقع الفعلي للخدمة، خصوصًا مع تزايد الطلب على الإنترنت في كافة مجالات الحياة.
خبير الاتصالات عمار العيثاوي أكد أن “العراق يشهد توسعًا كبيرًا في الاستخدام الرقمي، لكن البنية التحتية لم تعد تواكب هذا التحوّل”.
ويضيف أن غياب الاستثمار في تحديث الشبكات جعل الخدمة تعتمد على منظومة “غير قادرة على استيعاب النمو الهائل في السعات وعدد المشتركين”.
كما يعدّ تداخل الصلاحيات بين وزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات والشركات المزوِّدة أحد أبرز معوقات التطوير، إذ تبقى المشاريع المشتركة معلّقة بين الجهات الثلاث، ما ينعكس مباشرة على استقرار الخدمة وجودتها. وبين شبكات نحاسية ومشاريع تحديث لم تتقدّم بالسرعة المطلوبة.
تلاعب في التوزيع المحلي
رغم الجهود الحكومية لتطوير البنية الأساسية للإنترنت واعتماد الكابينات الحكومية لتوزيع الخدمة، لا يزال المستخدم العراقي يواجه شبكة متذبذبة وغير مستقرة، إذ تنخفض السرعات بشكل حاد خلال ساعات الذروة وتتكرر الانقطاعات بشكل مستمر، ما يترك انطباعًا بأن أي تحسينات لم تصل إلى المواطن بالشكل المرجو.
المهندس عماد هاشم، موزع شبكة انترنت في بغداد أشار في سياق متصل الى “أن جوهر المشكلة لا يكمن في السعات المتاحة أو الكابينات الحكومية، بل في آليات إعادة توزيع الإنترنت على المشتركين داخل الأحياء.
ويقول: “السعات التي توفرها الدولة جيدة، لكنها تصل للمواطن بشكل مشوّه. معظم الأبراج تشتري خطوطًا بسعة محترمة، لكنها تقسم على أعداد كبيرة من المشتركين، وفي النهاية المواطن يدفع مقابل 20 ميغا ويستلم 4 أو 5 ميغا فقط خلال الذروة. الخلل ليس في الكابينة، بل في إدارة السوق المحلي.”
مبينا أن بعض المحطات تروّج لباقات بأسماء جذابة مثل “VIP” أو “سريعة”، دون أي فرق تقني فعلي بينها، بينما تتغير جودة الخدمة حسب تقدير صاحب البرج لتقليل أو رفع السعة في أوقات مختلفة.
ويرى أن غياب الرقابة المشددة على مستوى الأحياء يحول أي تحسين تقني إلى تأثير محدود، ويبقي المستخدم أسير تجربة غير مستقرة.
تظهر هذه المعطيات فجوة واضحة بين التحسينات التقنية، التي قامت بها الدولة وبين الواقع الذي يعيشه المستهلك، حيث تبقى الخدمة رهينة سوق متهاون يهيمن عليه أصحاب الأبراج الذين يعيدون توزيع الإنترنت حسب مصالحهم الخاصة، ما يحول الشبكة في العراق إلى بيئة مضطربة رغم كل مشاريع التطوير الحكومية.
الإنترنت في العراق والعالم
في العراق، يستخدم نحو 38 مليون شخص الإنترنت، أي ما يعادل 82 بالمئة من السكان، حسب تقرير صادر عن منصة DataReportal الرقمية لعام 2025، إلا أن المفارقة أن المستخدمين، رغم هذا الانتشار الكبير، يواجهون مشكلات كبيرة بسبب ضعف الشبكة، خصوصًا خلال ساعات الذروة، مما يؤثر مباشرة على التعليم والعمل والخدمات الرقمية اليومية.
ووفق تقرير صادر عن وزارة الاتصالات العراقية لعام 2024، يعود السبب الرئيس إلى البنية التحتية القديمة، خصوصا ان بعض المستخدمين لم تصلهم بعد شبكة الألياف الضوئية، إضافة إلى تلاعب الموزعين في توزيع السعات لمشتركيهم، وهو ما يجعل الخدمة غير مستقرة حتى مع توفر الإمكانات الأساسية.
وتفاقمت المشكلة بسبب غياب إدارة وطنية موحدة لشبكة الإنترنت، ما يؤدي إلى اختلاف الجودة بين المناطق والمشتركين.
وعلى الجانب الآخر، يسعى العالم إلى تجاوز هذه القيود. خصوصا مع إعلان الملياردير إيلون ماسك عن نظام ستارلينك للأقمار الصناعية، الذي يعتمد على آلاف الأقمار الصناعية في مدار منخفض، ويوفر اتصالًا عالي السرعة حتى في المناطق التي لا تصلها الشبكات التقليدية، وفق الموقع الرسمي لشركة SpaceX.
هذه المقارنة تظهر الفجوة بين العراق والعالم لاسيما تجربة ستارلينك.
نعم: العراق يمتلك كمّاً الكثير من المستخدمين وسعات مستوردة، لكنه يفتقر إلى آليات توزيع فعالة وإدارة موحدة ورقابة صارمة، لكن التجارب تبين كيف يمكن للتقنيات الحديثة أن توفر الإنترنت حتى في أصعب الظروف.
خطر الإنترنت الضعيف على الامن السيبراني
ضعف الإنترنت في العراق لا يقتصر على بطء الخدمة أو الانقطاعات المتكررة، بل يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن الرقمي.
ويوضّح المختص في الأمن السيبراني إيهاب عنان أن ضعف البنية التحتية يحول أي هجوم بسيط إلى أزمة كبيرة، لأن الأنظمة تعمل على حافة الانقطاع وقلة الاعتمادية، ما يدفع المؤسسات لتأجيل التحديثات الأمنية والنسخ الاحتياطية، ويطيل عمر الثغرات المفتوحة.
ويضيف: “المؤسسات تلجأ إلى حلول التكيف مثل استخدام أجهزة شخصية وخدمات غير رسمية، ما يوسع السطح الهجومي بطريقة غير منظمة. بطء الشبكة وانقطاعها لا يسببان الهجمات، لكن عمليًا يضاعفان آثارها ويزيدان احتمالات نجاحها.”
كما يشير عنان إلى أن الشبكات غير المستقرة تجعل البيانات الحساسة أكثر عرضة للتسريب والتلاعب، لأن الأنظمة القديمة غالبًا ما تفتقر إلى التشفير الجيد وآليات فصل الصلاحيات واكتشاف التهديدات.
وعندما تتعطل النسخ الاحتياطية وخطط استمرارية العمل بسبب ضعف الشبكة، يتحول أي تعطل متعمد إلى توقف طويل للخدمات الأساسية، مع خسائر تشغيلية ومالية كبيرة، وتآكل ثقة الجمهور في الخدمات الرقمية.
خطواتٌ حكوميَّة جادةٌ لحل الأزمة
وزيرة الاتصالات الدكتورة هيام الياسري، في تصريح أكدت أن ضعف الإنترنت في العراق ليس مجرد قضية تقنية عابرة، بل هو نتيجة تراكمات تأخرت فيها البلاد أكثر من عشرين عامًا عن مواكبة شبكة الإنترنت العالمية والثورة التكنولوجية.
وأوضحت أن الوزارة شرعت منذ سنوات في تنفيذ مشاريع تهدف إلى سد هذه الفجوة، وكان من أبرزها تفعيل الكابل الضوئي في المنازل العراقية، الذي تم إيصاله حاليًا الى نحو أربعة ملايين ونصف منزل، في خطوة تمثل حجر الأساس لرقمنة الخدمات وتسهيل الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة في جميع أنحاء البلاد.
وأشارت الياسري أيضًا إلى أن الهدف الحالي للوزارة يمتد إلى إيصال الكابل الضوئي إلى جميع مناطق العراق، بما في ذلك القرى النائية، مشددة على أن العمل مستمر دون انقطاع لضمان شمولية التغطية الرقمية لكل المواطنين، وهو ما يعكس التزام الحكومة برفع مستوى البنية التحتية الرقمية إلى معايير عالمية.
مضيفة أن الوزارة وضعت استراتيجية شاملة لتسريع التحول الرقمي، تشمل توسيع شبكة الألياف الضوئية في بغداد والمحافظات، وتحديث البنى التحتية الرقمية، وتعزيز البيئة التنافسية بين مزودي الخدمة، بما يتيح توفير خدمات عالية الجودة للمواطنين ويحفز القطاع الخاص على الاستثمار في تطوير الشبكات.
وأكدت أن هذه الخطوات تأتي ضمن رؤية متكاملة لتعزيز قدرة العراق على مواجهة التحديات الرقمية، وخلق بنية تحتية قوية تدعم التعليم والعمل والحياة اليومية للمواطنين.
مؤكدة أن هذه الجهود حققت قفزات نوعية انعكست إيجابًا على تحسين استقرار وجودة الإنترنت في العراق، وتقليل الفجوة بين الخدمات المحلية والمعايير الدولية، وهو ما يتيح تعزيز الثقة لدى المستخدمين وتسهيل عمليات التحول الرقمي على نطاق واسع، بما يشمل المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني.

