شفقنا العراق-الانتخابات العراقية جاءت كنافذة لفهم التوازنات الجديدة داخل البلاد، إذ أشار خبراء الندوة إلى أن العراق يشهد مؤخراً حالة استقرار تنموي مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار الضغوط الإقليمية والتدخلات الخارجية.
أشار خبراء في ندوة نظمها مركز دراسات الشرق الأوسط في أنقرة (ORSAM) إلى أنه على الرغم من أن الانتخابات التي جرت في العراق لن تحدِث تغييرًا هيكليًا كبيرًا، فإنها تظهر اتجاهًا نحو الاستقرار والتماسك التدريجي للبلد وسط محيط إقليمي مضطرب،
مؤكدين في الوقت نفسه أن التحديات التي ستواجهها الحكومة القادمة تتمثل في إبعاد العراق عن الصراعات الإقليمية وتسريع إعادة الإعمار والتنمية مع ضبط الأمن الداخلي.
وناقش متحدثون في ندوة رفيعة المستوى فيما إذا كانت عملية التصويت في الانتخابات الأخيرة تمثل تحولًا حقيقيًا في البلد أم مجرد استمرار للنظام السياسي العراقي الذي تشكل منذ مدّة ما بعد عام 2003، في وقت لم يحصل فيه أي حزب منفرد على أغلبية في مجلس النواب المؤلف من 329 مقعدًا، رغم نسبة مشاركة جيدة بلغت نحو 56%.
وكان أعضاء اللجنة متفقين بالإجماع على أن الانتخابات، رغم أنها من غير المرجح أن تحدِث تغييرًا هيكليًا كبيرًا، إلا أنها تشير إلى تَرسُّخ العراق تدريجيًا كدولة أكثر تماسكًا وقدرة على الصمود.
بداية لحقبة تنموية
وذكر الخبراء في نقاشهم أن العراق شهد في الحقبة الأخيرة حالة استقرار وبداية لحقبة تنموية نشطة مقارنة بالسنوات الماضية التي كان فيها البلد يعيش حالة عدم استقرار أمني، حيث عانى العراق مدة من العنف والإرهاب عقب غزو البلد عام 2003، وعلى الرغم من أن نظامًا ديمقراطيًا ناشئًا بدأ يتشكل في البلاد، إلا أن كثيرًا من المراقبين يتهمون بلدانًا مجاورة، خصوصًا إيران، بالتدخل في شؤونه الداخلية، البلد الذي يُعد غنيًا بالنفط وما يزال يعاني من توترات طائفية وعرقية.
وقال طه كوز، الخبير الأمني التركي خلال المناقشة: “عند النظر إلى الوضع الإقليمي، فإن العراق يقف على أعتاب تحول. علينا أن ننظر إلى هذا التحول بإيجابية. نحن لا نرى العراق (وتركيا) كجارتين فقط، بل كبلدين تتشارك مصائرهما”.
ووصف كوز العراق على أنه “صورة مصغرة عن المنطقة” وأن مصالحه مرتبطة بمصالح بلدان مجاورة، بضمنها تركيا، مشيرًا إلى سياسة أنقرة طويلة الأمد في دعم عراق موحد، بلا تمييز بين أي جماعة سياسية أو عرقية أو طائفية، مشيرًا إلى أن مثل هذه الشمولية قادرة على إنتاج استقرار دائم للبلد.
وأضاف: “لا يمكننا بعدُ التنبؤ إلى أين ستتجه هذه الحالة، لكن… نسبة مشاركة بحدود 56% تعد كبيرة بالنسبة إلى العراقيين. إنها تظهر ثقة العراقيين بالدولة وبالديمقراطية”.
وسلط الضوء على تنامي الاعتماد الاقتصادي المتبادل، مشيرًا إلى أن تركيا والعراق يسعيان إلى رفع حجم التبادل التجاري بينهما، الذي يبلغ حاليًا نحو 17.5 مليار دولار، إلى 30 مليار دولار.
مشروع طريق التنمية
كما قال إن مشروع طريق التنمية، وهو ممر نقل مخطط له يمتد من الخليج مرورًا بالعراق وصولًا إلى تركيا وأوروبا، يعد حيويًا لترسيخ الاستقرار في المنطقة.
وفيما يخص النزاعات المائية، شدد كوز على أن حوضي دجلة والفرات، وهما النهران اللذان ينبعان من شرق تركيا ويخترقان جنوب شرق سوريا والعراق حتى يصبّا في رأس الخليج، يجب أن ينتقلا من منطق التنافس إلى منطق التعاون.
وقال: “تبذل تركيا جهودًا جادة لإنشاء البنية التحتية المائية للبلدين، خصوصًا في العراق”. معربًا عن تفاؤله بمستقبل العراق، مشيرًا إلى أن الفائز الحقيقي في الانتخابات هو الشعب العراقي الذي هزم الصراعات والانقسامات عبر صناديق الاقتراع.
من جهته، أكد علي رضا غوني، المدير العام للعلاقات الثنائية التركية–العراقية في وزارة الخارجية التركية، على الطبيعة الاستراتيجية الفريدة للعلاقات بين أنقرة وبغداد، مشيرًا إلى أن العراق تحول إلى جزيرة من الاستقرار وسط الاضطرابات الإقليمية، وأن الحكومة العراقية الحالية برئاسة محمد شياع السوداني تنفذ سياسة تركز على الخدمات والتنمية والاستقرار.
من جانبه وصف تونا إيغون، الخبير بالشأن العراقي في مركز دراسات الشرق الأوسط، العراقَ المعاصر بأنه بلد التوازنات الهشة.
وقال إن العراقيين، ورغم التحديات التي مروا بها، تمكنوا من إعادة تشكيل إجماع وطني بعد الأزمات، في وقت أشار فيه إلى اختفاء كامل للمرشحين المستقلين في البرلمان الجديد.
صراعات المنطقة
أما الباحث سركان جاليشكان فقد ركز على نجاح حكومة السوداني في إبقاء العراق بعيدًا عن صراعات المنطقة.
وقال: “في ظل التطورات في سوريا، والصراع الإيراني–الإسرائيلي… كانت الحكومة العراقية وبعض الأطراف الموازية في العراق ناجحة إلى حد بعيد في التوحد حول الهوية العراقية والحفاظ على بيئة خالية من الصراعات”.
وحدد اختبارين رئيسين سيواجهان الحكومة العراقية في الأيام المقبلة: ضمان عدم الانخراط في النزاعات الخارجية مع مواصلة عمليات إعادة الإعمار، وإدارة المخاطر الأمنية الداخلية التي تجلت في الهجمات الأخيرة في إقليم كردستان.

