خاص شفقنا العراق-يسلط الدكتور أبو الفضل فاتح في هذه السطور، الضوء على دلالات ورسائل إجابة المرجع الأعلى سماحة آية الله السيد السيستاني (دام ظله) عن استفتاء يتعلق بالصلاة خلف إمام يتقاضى راتبًا حكوميًا.
في معرض إجابته عن سؤال وجّهه إلى سماحته، أبناء الجالية الشيعية في إحدى البلدان الإسلامية التي يشكّل فيها الشيعة أقلية، ونُشر في موقعه الإلكتروني باللغة العربية، عن حكم الصلاة خلف إمام جماعة يتقاضى راتبًا شهريًا من الدولة، أجاب المرجع الديني الأعلى آية الله السيد علي السيستاني:
«ننصح المؤمنين (أعزّهم الله تعالى) ألا يصلوا خلف من يتقاضى راتبًا حكوميًا، وليس هذا للقدح فيه والطعن في عدالته، ولكن لتبقى هذه المواقع ومواقف أصحابها بمنأى تام عن أي تدخل حكومي محتمل ولو في مستقبل الأيام».
هذا الجواب، المقتضب في عباراته، والواسع في دلالاته، أعاد تسليط الضوء مرة أخرى على الأبعاد الفكرية والروحية لـ«المدرسة السيستانية»؛ هذه المدرسة التي تقوم على استقلال المؤسسة الدينية، وصون كرامة الإنسان، وحماية الهوية الشيعية على المدى البعيد.
فهذه التوصية ليست حكمًا فقهيًا عابرًا أو مسألة فرعية، بل حلقة في منظومة كبرى ترى أن أي صلة بنيوية بين رجل الدين والسلطة، أو بين المؤسسة الدينية والجهات السياسية، تمثل خطرًا على أصالة العقيدة، والنقاء الأخلاقي، والثقة المجتمعية.
أسس مدرسة السيد السيستاني
وكما بيّنت في مقالات سابقة — علمًا إن كل ما أعبر عنه هنا وعبرت عنه سابقًا، يمثل رأيًت شخصيًا فقط — فإن «مدرسة السيستاني» ترتكز على ثلاثة مبادئ محورية:
- أولًا: صيانة الهوية عبر الارتباط بالنص والأصالة من جهة، وباستقلال المؤسسة الدينية من جهة أخرى.
- ثانيًا: مركزية الحكمة وكرامة الإنسان في فهم الفقه الاجتماعي وتنظيم العلاقات داخل المجتمع الديني ومع المجتمعات الدينية الأخرى.
- ثالثًا: اعتماد الحوار والاعتدال والتعايش الاجتماعي كاستراتيجية دائمة للمجتمع الشيعي في عالم مشحون ومملوء بالتوترات.
على امتداد العقدين الماضيين أسهم سماحة آية الله السيد السيستاني، بطريقة استثنائية، في بناء ما يمكن تسميته بـ«الخطاب الحداثوي للتشيّع»، معتمدًا على هذه الأسس وعلى رؤية منهجية منتظمة خرجت من رحم العقلانية الفقهية والتجربة التاريخية والمسؤولية الأخلاقية.
وتتجلى أبرز معالم المدرسية السيستانية، سياسيًا واجتماعيًا، في الدفاع عن الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية، والتأكيد على حق الاحتجاج السلمي، والدعوة إلى الدولة المدنية وانتخابات حرة ونزيهة، ودعم الحوار بين الأديان وحماية الأقليات، ومنع الاحتقان الطائفي، ومواجهة الجهل والتطرف الداعشي، ونصرة المظلومين، والحفاظ على استقلال القرار الديني عن القوى الدولية.
هذه المعالم لم تبقَ حبيسة النجف الأشرف، بل تجاوزت جدران حوزتها وباتت تؤسس نموذجًا جديدًا لقوة التشيّع الناعمة والروحيّة في عالمنا المعاصر.
الحفاظ على هوية التشيع ونقاءه الروحي
وانطلاقًا من هذا الأفق الرحب، تأتي توصيته الأخيرة حول استقلال أئمة الجماعة عن الحكومات اقتصاديًا، باعتبارها جزءًا من رؤية أخلاقية واستراتيجية أكثر شمولًا ترمي إلى الحفاظ على هوية التشيع ونقاءه الروحي، ومنع السلطات من التدخل في قرار المؤسسة الدينية وتوجيهها حسب أهواءها، وتجنّب تشويه صوت المذهب عبر اختلاطات غير محمودة.
ومن النجف الأشرف، يقدم سماحة آية الله السيد السيستاني نموذجًا تكونه فيه المرجعية الدينية ورجال الدين، غير خاضعين للسلطات ولا تابعين له، وإنما مؤسسةً عريقة وربانية، مستقلة وعاقلة، تراقب بمحورية أخلاقية، وتقف إلى جانب الناس خير وقوف وتستند عليهم خير استناد.
ومن هنا شهدنا، منذ تولّيه زعامة الحوزة قبل أكثر من عقدين، رفضه القاطع لأي تمويل حكومي للحوزات، ومنعه لطلبة العلوم الدينية من شغل الوظائف الحكومية.
وصفة لجميع الأديان والمذاهب
ومع أن هذه التوصية موجّهة للمؤمنين ولأئمة الجماعة ضمن استراتيجية بعيدة الأمد لصيانة رجال الدين والمساجد والمنابر الشيعية، لكنها تصلح، في جوهرها، أن تكون وصفة لجميع الأديان والمذاهب، وتوصية مجيرة تتجاوز توظيفيًا حدود الانتماءات الدينية.
فبالرغم من أن التاريخ -على رحابته- يروي لنا جانبًا مشرقًا لكثير من الزعماء والقادة الفكريين والدينيين والمؤمنين الذين رفعوا راية الحرية والمعرفة والإنسانية، وضحّوا في سبيل ذلك، لكنه يكشف أيضًا جانبًا قاتمًا لرجال دين -من مختلف الأديان- ممن ارتبطوا بالسلطة والبلاط وفتحوا الباب أمام تدخلات وإغراءات أفسدت حرية الكثير من المؤسسات الدينية ورجالها وقوّضت استقلاليتها.
كذلك شاهدنا بأمّ أعيننا كيف انزلقت مجموعة من المؤسسات الدينية في أنحاء العالم شيئًا فشيئًا حتى غدت جزءًا من منظومة الهيمنة؛ تُبرّر الظلم وتشرعن الفساد وتشوّه الأديان، بدل أن تكون لسانًا للعدل وميزانًا للحق ونصيرًا للشعوب. وهذا ما نلمسه بالضبط في ازدواجية عدد من زعماء الأديان، والمؤسسات الدينية، حينما تبتعد عن الحقيقة فتُظهر صورة مشوّهة تميل إلى الخرافة والتجهيل والتزوير والعنف والتطرف؛ تتغذى عليها التيّارات المناهضة للدين لتعميمها على الدين كله، حتى تقتلع كل ما تجد من إيمان ومعتقد ديني، من جذوره.
حماية حاضر التشيع ومستقبله وصون كرامة الإنسان
في زمن يعاني فيه العالم من العنف والاستقطاب وانعدام الثقة، وتزداد حاجتها -أكثر من أي وقت مضى- إلى الروحانية والحرية والعدالة والأخلاق، تكمن الصورة الأصيلة للدين في سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وفي سيرة الإمام علي (عليه السلام) وفي سيرة آل علي (عليهم السلام). وهنا تبرز مسؤولية العلماء الحقيقيين: أن يجسّدوا تلك السيرة المقدسة بسلوكهم، وأن يكونوا مرآةً صافية يرى الناس فيها الوجه الحقيقي للدين، فتكون ركيزة لتقديمه إلى المجتمع، ولا سيّما للشباب وسط ضجيج الشبهات.
ومن هذا المنطلق، تبدو الرؤية التي ينشدها السيد السيستاني للإنسان المؤمن، عبر منظومة من الفتاوى والسلوك السياسي والاجتماعي، وكذلك توصيته الأخيرة لضمان استقلالية المنبر والمحراب من قبضة السلطة، وصيانة الثقة بأئمة الجماعة في البلدان الإسلامية، رؤية ثمينة؛ إنها مشروع لا يرمي فقط إلى حماية حاضر التشيع ومستقبله، وإنما صون كرامة الإنسان وصدق الإيمان وقدسية العبادة، وترسيخ أسس التعايش الإنساني والروحي في امتداد عالمي واسع.
بقلم أبو الفضل فاتح-شفقنا
«مدرسة السيستاني»، «مدرسة النجف، نظرة من الخارج»، «مشاهد من حكمة «المصلح»…السيد السيستاني يعيد تعريف مشروعية الحوار»

