شفقنا العراق-شح المياه يبرز كأكبر متغيّر في معادلة الأمن المائي العراقي، مع تفاوت الأمطار وتبخر السدود بنسبة تصل إلى 30%، ما يدفع باتجاه حلول تقنية تشمل السدود الجوفية، وشبكات تجميع السيول، وأنظمة مراقبة رقمية لإدارة الهطول بكفاءة.
يعيش العراقيون قصة صراع يومي مع شح المياه، كل قطرة تسقط من السماء تحمل معها الأمل، وكل نهر ينحسر يذكرهم بأن حياتهم مترابطة بشكل مباشر مع الطبيعة، في قرى الشمال حيث الثلوج تكاد تختفي عن جبال كردستان، وفي سهول الوسط والجنوب حيث الأمطار متقطعة، يقف المواطن أمام هذه الازمة محتارًا، بين الحلول الحكومية وترشيد الاستهلاك، مدركا أن كل خطوة يخطوها على هذه الأرض مرتبطة بالبقاء أو الهدر.
ويواجه العراق منذ سنوات أزمة مائية حادة، انعكست بشكل مباشر على الزراعة والأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، وسط انخفاض ملحوظ في مناسيب الأنهار الرئيسة، وتقلبات شديدة في كميات الأمطار والثلوج، وتأثير واضح لتغير المناخ، إذ يرى خبراء بيئيون وزراعيون واقتصاديون أن الوضع الحالي يتطلب حلولاً متكاملة تشمل رفع الوعي المجتمعي، وتبني سياسات جديدة لإدارة الموارد المائية، واستثمار مياه الأمطار والسيول كجزء من استراتيجية وطنية مستدامة.
ريٌّ كامل
يوضح الوكيل الإداري لوزارة الزراعة، مهدي سهر الجبوري، أن “الموجة المطرية الأخيرة لم توفر ريًا كاملاً للمحاصيل بسبب تفاوت شدتها بين المحافظات الشمالية والغربية التي شهدت أمطارًا غزيرة، والمناطق الوسطى والجنوبية التي كانت فيها الأمطار متوسطة ومنخفضة”،
مبينا أن “الوزارة تترقب موجات مطرية متقاربة قريبًا لتقييم أثر الأمطار في القطاع الزراعي وإدارة الموارد المائية في العراق”.
ويشير الجبوري إلى أن “تباين الأمطار يفرض على الوزارة متابعة دقيقة لتقدير كمية المياه المتاحة لكل محافظة، ووضع خطط طارئة لدعم المزارعين في المناطق المتأثرة بالجفاف الجزئي، بما يضمن استدامة الإنتاج الزراعي وحماية الأمن الغذائي”.
يؤكد الجبوري أن “الإدارة الصحيحة للموارد المائية والمراقبة الدقيقة للمعدلات المطرية تساعد على التخطيط المسبق للزراعة الشتوية والصيفية، وتجنب الهدر غير الضروري للمياه المتاحة”.
حصاد المياه
يرى الخبير الاقتصادي، ضياء المحسن، أن “حصاد وإدارة مياه الأمطار والسيول يمثل استراتيجية حاسمة لتنشيط الاقتصاد العراقي، خاصة في ظل أزمة الشح المالي والمائي الحالية”.
ويضيف المحسن أن “هذه الاستراتيجية توفر مصدرًا مائيًا إضافيًا ومستدامًا يقلل الاعتماد على مياه الأنهار المتأثرة بدول المنبع، وعلى الخزين الاستراتيجي المكلف، ما يدعم بشكل مباشر القطاع الزراعي ويعزز الأمن الغذائي”.
ويلفت المحسن إلى أن “استخدام مياه الأمطار في الري التكميلي للأراضي المطرية وتوسيع الأراضي المروية يزيد الإنتاج ويخفض تكاليف الضخ، كما يسهم في تنمية المراعي والثروة الحيوانية ومكافحة التصحر بواسطة تحسين مستوى المياه الجوفية والغطاء النباتي”.
ويبين أن “مشاريع حصاد المياه تقلل من استيراد المحاصيل الغذائية، ما يوفر مبالغ ضخمة من العملة الصعبة، وتخفض تكاليف البنية التحتية ومعالجة المياه مقارنة بالمياه الجوفية أو الأنهار الملوثة”.
منوها بأن “هذه المشاريع تخلق فرص عمل محلية مؤقتة ودائمة، وتفتح الباب أمام تنمية الصناعات الغذائية المحلية، إضافة إلى إمكانية استثمار بعض مواقع تجميع المياه في أغراض سياحية وترفيهية، مما يوفر مصدرًا ماليًا إضافيًا للمحافظات”.
ويكمل أن “القيمة الاقتصادية المضافة من هذه المشاريع قد تصل إلى أكثر من مليار دولار سنويًا إذا طُبقت بشكل فعال في مناطق شمال وغرب وشرق العراق ذات المعدلات المطرية المتوسطة”.
ويلفت المحسن الى أن “مشاريع حصاد المياه لا تغني عن اعتماد العراق على نهري دجلة والفرات، لكنها أداة استراتيجية لا غنى عنها لزيادة الموارد الداخلية، وتقليل الخسائر الزراعية والبيئية، وخلق فرص استثمارية جديدة في قطاعات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية”.
بين الأمن الغذائي والاقتصاد
ويضع المحسن بعض الحلول ويقول: إن “تأمين المياه هو أساس الأمن الغذائي، فكل متر مكعب من المياه المستخدمة بكفاءة في الزراعة يمكن أن يوفر آلاف الدولارات على الدولة والمزارعين، ويعزز استقرار السوق المحلي للمحاصيل الأساسية مثل القمح والشعير والخضراوات”.
ويكمل حديثه مؤكدا: أن “ترشيد الاستهلاك وإعادة استخدام مياه الأمطار يمكن أن يقللا الاعتماد على الاستيراد، ويخلقا وفيراً بالعملة الصعبة، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني ويعزز القدرة الشرائية للمواطنين”.
الوعي البيئي حجر الأساس
الخبير البيئي، خالد سليمان، يشير إلى أن “مستوى الوعي البيئي في العراق ما يزال محدوداً، خاصة فيما يتعلق بترشيد استهلاك المياه، رغم أن هذه القضية تمس حياة الجميع”.
ويضيف أن “الوعي البيئي يرتبط بشكل أساسي بالقوانين والتشريعات المطبقة لحماية البيئة وتحسين النظم البيئية، حيث أن وجود قوانين واضحة وفعالة يمثل حجر الأساس لتعزيز ثقافة الحفاظ على الموارد المائية والطبيعية”.
ويؤكد سليمان أن “التربية والتعليم يمثلان المحور الثاني في تأسيس وعي بيئي مستدام لدى المواطنين، إذ إن إدراج القضايا البيئية في المناهج المدرسية بدءاً من المرحلة الابتدائية مروراً بالمتوسطة والثانوية يسهم في تكوين قاعدة صلبة من الوعي لدى الطلاب، بينما الجامعات تختلف حسب تخصص الطالب”.
ويشير الى أن “الإعلام والتوعية العامة يمثلان المحور الثالث، فالقضايا البيئية غالبًا ما تكون مهمشة مقارنة بقضايا أخرى مثل الفن والثقافة والرياضة والصحة والاقتصاد، رغم أهميتها الكبيرة في حياة المواطنين اليومية، ولا ينبغي أن تُناقش البيئة فقط في الأزمات أو المناسبات الخاصة، بل يجب أن تكون قضية مستمرة في الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي”،
متابعا أن “دمج هذه المحاور الثلاثة (القوانين، التعليم، والإعلام) يمكن أن يؤدي إلى تأسيس وعي بيئي فعال، يعزّز ترشيد استهلاك المياه وحماية الموارد الطبيعية، ويضع الأسس لإدارة مستدامة للمياه في البلاد”.
هدر المياه والسلوكيات اليومية
ويحذر الخبير البيئي من أن “أبرز أسباب هدر المياه في العراق يعود إلى هدر الغذاء، حيث يحتاج إنتاج اللحوم والحبوب والبقوليات إلى كميات هائلة من المياه، فالمأكولات المهدورة تعني مياهاً مهدورة بشكل غير مباشر”،
مؤكدا أن “السلوكيات اليومية مثل غسل المنازل والسيارات واستخدام المياه في المطاعم والمياه المعبأة تسهم في الاستهلاك غير المسؤول، بينما تزيد المصانع والزراعة بأساليب قديمة الضغط على الموارد المائية”.
ويشير إلى أن “تغيير المناخ يمثل السبب الرئيس في شح المياه، حيث تراجعت كميات الأمطار الموسمية والثلوج على جبال كردستان بشكل كبير، ما أثر مباشرة في تغذية الأنهار الرئيسة والفرعية، وأدى إلى تقليل معدلات تدفق المياه إلى الأراضي الزراعية في وسط وجنوب البلاد”.
ويتابع أن “السدود الحالية تعتمد طرقاً تقليدية لتخزين المياه، وكانت تستخدم سابقًا لدرء المخاطر فقط، فيما تتبخر نحو 20 – 30 بالمئة من المياه خلال فصل الصيف الحار، لذلك يجب إعادة التفكير في استراتيجيات التخزين وإنشاء سدود صغيرة وجوفية لضمان موارد مائية مستدامة”.
تحدياتٌ مناخيَّة
يشير الخبراء إلى أن العراق يواجه تحديات مناخية كبيرة، أبرزها تراجع الهطول المطري الموسمي وقلّة الثلوج على قمم جبال كردستان، ما يؤثر على تغذية الأنهار الرئيسة والفرعية.
ثم أن موجات الجفاف المتكررة تؤدي إلى تبخر نحو ثلث المياه المخزنة في السدود التقليدية خلال الصيف، ما يستدعي تبني حلول مبتكرة لتخزين المياه وإدارتها بكفاءة، مثل إنشاء سدود صغيرة وجوفية واستخدام تقنيات حديثة لجمع مياه الأمطار وإعادة استخدامها.
دور الاستثمار والتكنولوجيا
المحسن يشدد على أن “مشاريع حصاد المياه لا تقتصر على الزراعة فقط، بل تمتد لتشمل الصناعات الغذائية وتحلية المياه، وحلول الري الذكي، والتقنيات الحديثة في الزراعة المستدامة، وهو ما يخلق فرص استثمارية واسعة ويحفز الابتكار والتوظيف في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء”.
ويوضح أن “الاستثمار في البنية التحتية المائية، بما في ذلك بناء خزانات المياه الصغيرة، وشبكات التجميع والتخزين، وربطها بالتقنيات الحديثة لمراقبة المستويات المطرية، يمكن أن يحوّل التحديات المناخية إلى فرص اقتصادية تنموية، ويضمن استدامة الموارد المائية على المدى الطويل”.
يشار الى أن العراق يقف أمام تحدٍ مزدوج: بيئي واقتصادي، فمن جانب، هناك الحاجة الملحة لتعزيز الوعي البيئي، وتعديل السلوكيات اليومية، وتطبيق القوانين والتشريعات، ومن جانب آخر، هناك ضرورة تبني استراتيجيات حديثة لإدارة الموارد المائية، بما في ذلك حصاد مياه الأمطار والسيول، وتحديث نظم التخزين التقليدية، وربطها بالاستثمار والتكنولوجيا، إذ إن دمج هذه الحلول يمكن أن يحوّل شح المياه إلى فرص لتعزيز الأمن الغذائي، وتحفيز الاقتصاد الوطني، وخلق آلاف الوظائف، وتحسين مستوى المعيشة، وجعل العراق أكثر استعداداً لمواجهة تحديات التغير المناخي في السنوات المقبلة.

