شفقنا العراق-الانتخابات النيابية لعام 2025 كشفت عن هزيمة مدوية لشيوخ العشائر التقليديين، ما يرسل رسالة تحذيرية لكل القوى التقليدية بأن النفوذ التاريخي لم يعد ضمانًا للنجاح، وأن الأداء والكفاءة أصبحا محركي التصويت الأساسي.
أفرزت الانتخابات النيابية العراقية لعام 2025 واحدة من أكبر المفاجآت السياسية منذ عام 2003، بعد السقوط المدوي لعدد واسع من كبار شيوخ العشائر الذين سبق أن شكلوا ركناً راسخاً في المعادلة الانتخابية خلال الدورات السابقة.
النتائج الأولية كشفت أن الهيبة العشائرية لم تعد جواز عبور مضموناً إلى البرلمان، وأن الصناديق هذه المرة انحازت لخيارات مغايرة تماماً لما اعتادته المشهدية العراقية طوال عقدين.
الخسارة لم تطل أسماء عادية، بل طالت رموزاً يُنظر إليهم باعتبارهم “الأكبر” داخل مكوناتهم القبلية. ففي مقدمة الخاسرين جاء الشيخ عبد الله الياور، شيخ مشايخ شمر، إلى جانبه خسر الشيخ وصفي العاصي، شيخ مشايخ العبيد، وكذلك الشيخ محمد الشعلان، شيخ مشايخ الأگرع، والشيخ مهدي منفي الدبي، شيخ مشايخ الجبور، والشيخ حيدر محمد چثير، شيخ مشايخ آل إزيرج.
التغييرات الاجتماعية
ولم تقتصر الخسارة على هؤلاء، إذ شملت أيضاً شخصيات بارزة أخرى مثل محمد الصيهود السوداني، شيخ عشيرة السودان وابن عم رئيس الوزراء، إضافة إلى الشيخ ضرغام المالكي وشيخ بني تميم مزاحم الكنعان، والشيخ عامر حبيب الخيزران، وشيخ مشايخ الجنابيين عدنان الجنابي، وشيخ عشيرة البو طيف أحمد الفواز الوطيفي. كما مني أكثر من عشرة من شيوخ عشائر بابل بهزيمة موجعة، بينهم رعد الجبوري وأسعد المسلماوي وثائر آل كتاب.
وفي هذا الصدد، تقول الباحثة الاجتماعية نضال الباوي إن ما جرى “لا يمكن فهمه بمعزل عن التغييرات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الأخيرة”.
الباوي شددت على أن “التصويت العشائري لم يعد مضموناً كما كان، فوعي القواعد الشعبية تغير، وتحديداً لدى فئة الشباب التي باتت تبحث عن الأداء والكفاءة بدلاً من الانتماء العشائري وحده”.
وترى الباوي أن النفوذ التقليدي للشيوخ تراجع تدريجياً داخل بعض العشائر، ليس بسبب تغير البنية الاجتماعية فحسب، بل نتيجة تكرار الإخفاقات في تلبية تطلعات الأهالي.
الولاء القبلي
وتضيف أن “الجيل الصاعد بات أقل تأثراً بمنطق الولاء القبلي، وأكثر انجذاباً للمرشحين الذين يقدمون برامج واقعية أو يمتلكون دعماً حزبياً يمكن ترجمة وعوده إلى نتائج ملموسة”.
العامل الآخر الذي لعب دوراً مؤثراً في هذا التحول هو صعود الإعلام الرقمي. فبحسب الباوي، “وسائل التواصل الاجتماعي أنتجت فضاءً مفتوحاً حرر الناخب من سلطوية القرار العشائري، وسمحت بوصول أصوات شبابية وبديلة أثرت في اتجاهات التصويت”.
هذا التحول يظهر – حسب مراقبين – انتقالاً تدريجياً من “التصويت الهوياتي” إلى “التصويت البراغماتي”، وهو ما أكدته الباوي بقولها: “ما حدث في انتخابات 2025 ليس مجرد خسارة انتخابية للشيوخ، بل هو تحول في العقل الجمعي العراقي”. فالعشائر ما زالت جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي، لكنها لم تعد اللاعب الحاسم الذي يملي اتجاهات صناديق الاقتراع كما كان سابقاً.

