شفقنا العراق-أزمة التعليم الجامعي العراقي تتفاقم مع تفشي تجارة الشهادات المزورة، ما يقلص فرص الأكاديميين الحقيقيين ويزيد من هشاشة الثقة في المؤسسات التعليمية، ويحوّل الشهادة الجامعية إلى سلعة مالية بدل أن تكون رمزية للعلم والمعرفة.
من رواية الإيكونوميست عن استغلال الطلبة داخل الجامعات، إلى موجة الغضب الشعبي بعد إعلان 16 ألف منحة دراسية خارجية، وصولاً إلى نزيف الأكاديميين وهجرة العقول، تبدو الجامعة العراقية اليوم كجبهة مفتوحة داخل حرب طويلة بين السياسة والمعرفة، وبين الهوية الوطنية والولاءات الحزبية، في بلد لم يعد قادراً على إنتاج تعليمٍ مستقلّ ولا على حفظ كفاءاته.
تقرير الإيكونوميست الأخير الذي تحدث عن “اختراق الجهات المسلحة للحرم الجامعي” فتح نقاشاً واسعاً عن مصير التعليم في العراق. فبينما اعتبره مراقبون تقريراً “مسيّساً وموجهاً”، إلا أن وقائعه وجدت صدى في الداخل، حيث يعترف أساتذة بأن الجامعة فقدت جزءاً من استقلالها فعلاً، وأن النشاط الطلابي والنقابي تحوّل في بعض الأحيان إلى امتداد سياسي.
الخبير الأمني صادق عبد الله علّق قائلاً إن “الحديث عن تصنيع طائرات مسيرة داخل الجامعات غير واقعي علمياً ولا تقنياً”، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن “تعدد الولاءات داخل المؤسسات الأكاديمية أفقد التعليم هدفه، وحوّل الجامعة إلى مساحة تنافس لا تختلف عن البرلمان”.
16 ألف مقعد دراسي مجاني
تزامناً مع ذلك، تفجّر جدل داخلي إثر إعلان وزارة التعليم العالي تخصيص أكثر من 16 ألف مقعد دراسي مجاني في الخارج، من بينها تخصصات نادرة كالطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة.
القرار وصف من قبل الطلبة وأولياء الأمور بأنه “غير منطقي ومخالف للمعايير الاقتصادية”، فالعراق ما زال يعاني من ديون تتجاوز 170 تريليون دينار داخلياً وخارجياً، بينما تخصص دول متقدمة أعداداً أقل بكثير من المنح رغم اقتصادها المستقر.
ويؤكد اقتصاديون أن “هذه السياسة تمثل نموذجاً للهدر غير المنتج”، فبدلاً من ترميم المختبرات المحلية، تُنفق المليارات على تعليم خارجي بلا خطة واضحة للعودة أو للاستثمار في الداخل.
الأرقام الدولية تكشف حجم الانحدار:
-وفق تصنيف QS 2026، لم تدخل أي جامعة عراقية ضمن قائمة أفضل 1000 جامعة في العالم.
تصنيف Times Higher Education (THE) أظهر خروج العراق تماماً من المؤشر العربي.
-تصنيف ARWU (شنغهاي) لم يسجل أي حضور للجامعات العراقية في أعلى 1500 مؤسسة أكاديمية.
هذه الأرقام، التي تعد مؤشراً معيارياً عالمياً، تعكس “أزمة بنيوية”، بحسب الأكاديمي علي الكبيسي الذي يرى أن “الجامعات العراقية لم تعد تنتج بحثاً مؤثراً، بل أصبحت تنتج خريجين بلا أفق، فيما تدار ملفاتها بعقل إداري وليس أكاديمي”.
تراجع البيئة الأكاديمية دفع آلاف الأساتذة والباحثين إلى مغادرة العراق خلال العقد الأخير. تشير تقديرات نقابية إلى أن أكثر من 32 ألف أكاديمي وباحث غادروا البلاد بين عامي 2014 و2025، وهو أعلى معدل هجرة منذ التسعينات.
الأسباب متشابكة: ضعف التمويل البحثي، التهديدات الأمنية، غياب العدالة في التعيين، وانعدام البيئة العلمية المحفزة. لكن أخطر ما في الظاهرة أن “الجامعة تخسر كوادرها من الأعلى إلى الأدنى”، إذ يهاجر الأستاذ قبل الطالب، تاركاً خلفه مؤسسات خاوية ومناهج متقادمة. ويحذر باحثون من أن هذا النزيف “أخطر من هجرة رؤوس الأموال”، لأنه يفرغ المجتمع من قدرته على النهوض ويجعل إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة.
فضيحة الشهادات المزورة
في موازاة ذلك، تفاقمت فضيحة الشهادات المزورة التي تباع في الخارج، خصوصاً في لبنان وبعض دول الجوار، مقابل مبالغ تتراوح بين 3000 و5000 دولار، لتعادَل في العراق بشكل رسمي مقابل عمولات أو وساطات.
هذا الواقع – كما يصفه أكاديميون – “نسف ما تبقى من قيمة العلم”، وجعل الحصول على شهادة جامعية مسألة مالية لا معرفية. ويقول أحد الأساتذة في جامعة بغداد، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن “وزارة التعليم تلقت خلال العام الماضي أكثر من 800 طلب معادلة لشهادات مشكوك بها من جامعات غير معترف بها، لكن معظمها مرّ عبر ضغوط حزبية وشخصيات متنفذة”.
ومع تفشي هذه الظاهرة، أصبح السوق الأكاديمي مزدحماً بـ”حَمَلة شهادات” بلا كفاءة، كما تهمّش الكفاءات الحقيقية، ما يفاقم أزمة الثقة في مؤسسات الدولة.
تبدو الأزمة التعليمية في العراق اليوم كحلقة مغلقة لا يعرف المرء من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي. فالتغلغل السياسي الذي تحدثت عنه تقارير دولية مثل الإيكونوميست داخل الجامعات، والهدر المالي في المنح الدراسية التي تمنح خارج أي تخطيط علمي أو اقتصادي، والانهيار المتواصل في التصنيفات العالمية، كلها تشكل معاً نسيجاً متشابكاً من التآكل البنيوي الذي أصاب المؤسسة التعليمية في صميمها.
ومعها تتفاقم هجرة الكفاءات التي تترك البلاد بحثاً عن بيئة أكاديمية تحترم المعرفة لا الولاء، كما تنتشر تجارة الشهادات المزورة لتكمل الصورة القاتمة لمؤسسة كانت يوماً مفخرة للمنطقة.
نخبة الجامعات العربية
لقد تحولت الجامعة العراقية، التي كانت في سبعينات القرن الماضي بين نخبة الجامعات العربية، إلى مرآة تعكس حال الدولة نفسها. فحين يدار التعليم بمنطق المحاصصة ويختزل في النفوذ، يصبح البحث العلمي واجهة شكلية، وتتحول المنح إلى وسيلة ترويج سياسي، وتغدو الشهادة سلعة تشترى وتباع في أسواق النفوذ. عندها لا يكون فشل التعليم مجرد إخفاق إداري، بل إعلاناً لانهيار المعايير التي تبنى عليها الدولة الحديثة.
وفي مفترق الطرق هذا، تبدو معركة العراق الحقيقية ليست في السياسة ولا في الاقتصاد، بل في العقل ذاته. فالعقول التي تغادر لا تعود، والجامعات التي تتساهل مع الزيف لا تنتج معرفة، والدولة التي لا تصون علمها لا تستطيع أن تصون مستقبلها.
إن ما يجري في قاعات الدرس ومكاتب الأساتذة هو خلاصة ما يجري في البلاد كلها: وطن يفقد معناه ببطء حين تفرّغ الجامعة من رسالتها، ويخسر ذاته حين تصبح المعرفة ترفاً لا ضرورة.

