شفقنا العراق-الدعاية الانتخابية تملأ الشوارع وتنافس الأبصار على كل زاوية، ما يثير سؤالًا ملحًا: هل يختار الناخب قناعًا بصريًا تم تسويقه بعناية، أم يختار برنامجًا ورؤية؟
خبر محمد عدنان طرق العاصمة، لكنه يشعر هذه الأيام بأنه غريب، فالطريق لم يعد كالسابق، ومعالمه بدت له مبهمة، لقد تحولت بغداد، كما يقول، إلى “لوحة ضخمة ملونة، لكنها فوضوية نوعا ما، امتلأ كل عمود إنارة، وكل حائط، وكل مساحة عامة، بصور تبتسم وتلوح. صور مرشحين للانتخابات المقرر إجراؤها في 11 تشرين الثاني 2025، بجميع أشكالها وأحجامها”.
“هذا المشهد يفقدني التركيز”، همس سائق التاكسي محمد، الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، لنفسه وهو يتجنب حفرة في شارع بمنطقة الجادرية، بينما كانت عيناه تنظران رغماً عنه لصورة مرشح مبتسم على لوحة إعلانية خلفها أضواء “نيون” متقطعة.
كان بجانبه في المقعد الأمامي رجل في الخمسين من عمره، أنيق الملبس، يحمل حقيبة جلدية. الزبون، الذي قدم نفسه باسم د. جاسم ناصر، كان يبدو معجباً بالمشهد. “لكن ألا تظن أنه مشهد يظهر حيوية العملية السياسية؟” يقول ناصر مبتسماً، وهو يشير إلى لوحة أخرى: “انظر، هذه امرأة، وهذا شيخ، وهذا شاب.. إنه تعدد يثري خيارات الناخب”.
رسائل خفية
أدار محمد عجلة القيادة بحذر متجنباً حاوية كبيرة كادت تعترض طريقه، لكن نظراته كانت تتجول بين الصور. لم يكن يرى حيوية كما يعتقد الرجل، بل كان يرى شيئاً آخر. “لكن هذه الصور ليست دعاية انتخابية عابرة.. هي رسائل خفية”،
يقول السائق وهو يشير بإصبعه إلى لوحة عملاقة تعلو مبنى تجارياً: “انظر إلى حجم الصورة.. إن هذا الحجم لا يعلن عن وجه المرشح فقط، بل عن قدرته المالية، إنه يدفع الناظر إلى الشعور بأنه رجل ثري”.
ثم يشير إلى لوحة أخرى مثبتة في موقع عند دوار مهم، يراها كل من يدخل ويخرج من المنطقة: “وهذا المكان، ألا يعكس النفوذ؟ وضع صورتك هنا يعني أن لك علاقات كثيرة”.
وهنا تساءل الراكب: “وماذا عن التصميم؟”، “التصميم هو الأهم”، أجاب محمد، “انظر إلى هذه الصورة، مرشح ببدلة غربية حديثة، هو لا يخاطب الجميع، بل يخاطب الشباب وأصحاب الشهادات والطبقة المتوسطة الطموحة، يعدهم بالتحديث والانفتاح على العالم”.
ثم يشير إلى صورة أخرى قريبة: “وهذا المرشح بلباسه العربي التقليدي، وكأنه يخاطب من يبحثون عن الجذور والأصالة. كل تصميم، كل لون، كل خلفية، هي رسالة موجهة إلى شريحة اجتماعية محددة”.
الحياة تتغير
قصة سائق التاكسي وزبونه ليست فريدة، فبالنسبة لكثيرين فإن ما يجري في الشوارع هذه الأيام ليس وسيلة بصرية للتعريف بالمرشحين الجدد فقط، بل هي فرصة حولت الشوارع إلى ساحات لنقاشات وحوارات واستذكارات للمواقف السياسية وغيرها بين أفراد المجتمع.
وترى أحلام زهير، 51 عاماً، أن الكثير من الناس يتذمرون وينتقدون الفوضى المصاحبة لصور وإعلانات الدعاية الانتخابية، لكن بالمقابل هناك كثيرون غيرهم ينظرون إلى الجانب الإيجابي لهذه الدعايات.
وتقول زهير إن “الدعاية الانتخابية منحت فرصة للمرشحين الصغار والمستقلين للمشاركة، فبينما تنتشر صور المرشحين المعروفين بكثرة، تظهر أيضاً وجوه جديدة وللمرة الأولى. وهذا الأمر يؤكد لنا بأن الحياة تتغير وتستمر، وأن من كانوا في السابق سيأتي غيرهم ليحل مكانهم، وبذلك التنوع الثقافي والسياسي في المجتمع”.
وتضيف أن “رؤية صور مرشحين من أعمار مختلفة، ومن رجال ونساء، ومدن وشرائح اجتماعية متنوعة، تنقل لنا واقعاً بأن هناك خيارات عديدة متاحة أمامنا كمصوتين”.
المشاركة والتصويت
في المقابل، يقول أسامة مجيد، وهو طالب جامعي، إن هذه الصور أمر اعتادوا عليه قبل كل انتخابات نيابية، على الرغم من أن مسألة تعليقها بهذا الشكل لا تمت للذوق العام بصلة، وهي إلى ذلك تستولي على كل الأماكن المتاحة للمشي، حتى إننا لم نعد نتمكن من عبور الأرصفة بسبب ضيق المسار”.
مجيد، الذي يدير والده محلاً لبيع المواد المنزلية والبلاستيكية، يوضح أن “والده يعاني من إغلاق واجهة محله بسبب هذه الصور والملصقات الدعائية، ولكنه يقول أيضاً إن هذه الصور تذكرنا بأن لدينا أصواتاً يريدها المرشح، وأن علينا التحمل والانتظار حتى موعد الانتخابات للمشاركة والتصويت واختيار المناسب لبلادنا”.
صراعات بين الموالين والمعارضين
في جانب آخر، ينظر الحاج أحمد اللامي إلى مئات الصور والملصقات للمرشحين في الانتخابات المقبلة، بأنها فرصة لعمل العديد من الشباب.
ويقول اللامي إن “وراء هذه الصور هناك الأموال والأيدي العاملة، وكذلك المكاتب المتخصصة في تصميم الدعايات الانتخابية وطباعتها في الليل والنهار، فضلاً عن العمال من حدادين وغيرهم من الذين يتقاضون أجوراً مالية يومية لغرض تثبيت الصور والدعايات على أعمدة الإنارة والأرصفة والجزرات الوسطية والجدران، وكذلك على حمايتها من التمزيق والسقوط والسرقة”.
ويضيف اللامي، الذي يدير مكتبة لوازم وقرطاسية واستنساخ، أن “ابنه يعمل في تعليق الصور واللافتات حسب اختيارات المرشحين للمواقع”.
ويوضح أن “سوق اختيار المواقع مكلف، وأن تعليق صورة واحدة في موقع مميز في العاصمة تكاليفه مرتفعة؛ لأنه يعتمد على حركة المكان وما يضم من محال وأسواق وغير ذلك”،
لافتا إلى أن “ارتفاع التكاليف المالية مسألة طبيعية جداً، لأن هناك من يدفع أكثر ليعلق دعاياته الانتخابية في الواجهات والساحات المهمة”.
ويشير اللامي أيضاً إلى أن مهنة تعليق الصور والملصقات لا تخلو أبداً من المخاطر، لأن هناك العشرات بل المئات من مساعدي المرشحين الذين يتنافسون فيما بينهم على تعليق وتثبيت الصور، وكأننا في صراع ومعركة خفية على احتلال أفضل المواقع وأكثرها تميزاً من حيث كثرة المارة.
ويتابع الحاج أن “هذه الصور والملصقات تتحول إلى ساحة لصراعات بين الموالين والمعارضين، حيث يعمد البعض منهم لتشويهها وتمزيقها، بل إن منهم من يحرقها ليلاً، فيما يسارع آخرون إلى تعليق صور جديدة مكانها في الصباح وهكذا دواليك”.
فوضى المشهد
وعلى الرغم من الضوابط التي وضعتها المفوضية العليا للانتخابات، إلا أن الشوارع تشهد العديد من الخروق. صور تغطي لافتات المرور، ولوحات تسقط على المارة، وأعمدة تثبت بشكل عشوائي، ما يشكل خطراً على السلامة العامة.
في المقابل يرى الناقد الفني خضير الزيدي أن الفوضى وعدم التخطيط كانت السمة السائدة في انتشار عشرات الصور الفوتوغرافية لمرشحين ومرشحات في مركز مدينة بغداد وباقي مدن العراق.
ويقول الزيدي إن “هذا يحدث في ظل انعدام رؤية جمالية وتخطيط مسبق، يجعل من كل تلك الصور والشعارات تلازم المكان المناسب، فلا وجود لذائقة جمالية ولا لشكل فني يلفت الانتباه، مع أنني رأيت الاختلاف في الألوان يؤدّي دوراً فاعلاً في جعل الصورة تتناسب مع الشعار، إلا أن النسيج العام في التخطيط صنع من تلك الشعارات بلا تفاعل يذكر من حيث التمثيل والتقديم للمرشح”.
ويتساءل الزيدي وهو يضيف: “فما الحل؟”، ويتابع أنه “كان يمكن مثلاً أن تستغل ساحات معينة لمكون أو حزب ليعلن عن أسماء المرشحين، وكان من المفترض أيضاً أن يكون هناك تنسيق شكلي في حجم الصور المعلنة، فتارة نجد صورة كبيرة بينما نجد تحتها صورة لا تتعدى متراً في متر”.
ويوضح الزيدي أن هذا الارتباك وليد مراحل وسنوات مرت، ولم نجد من يلتفت إليه، هناك جسور في العاصمة بغداد من الممكن أن تكون واجهة منورة لمرشحين، وأيضاً هناك الكثير من الحدائق والمتنزهات من شأن القائمين عليها أن يوظفوها في مشهد جمالي يريح النفس، لكن المحزن في الحقيقة أن كل هذه الفوضى لا تليق ببغداد وبعض المحافظات”.
ويمكن العمل على تنظيم هذه الدعايات وتحويلها إلى أداة أكثر إيجابية، كأن تخصص مساحات محددة للدعاية الانتخابية في كل منطقة ومدينة، وأن تستخدم تقنيات صديقة للبيئة قابلة لإعادة التدوير لما يسقط ويمزق من تلك الصور واللافتات والدعايات، فضلاً عن اختيار التصميم الموحد الذي يحافظ على الجمال البصري للمدينة.

